وهذه نكتة الالتفات في قوله تعالى: {من ربك} الجاري على خلاف مقتضى ظاهر حكاية المقول المأمور بأن يقوله ، لأن مقتضى الظاهر أن يقول: من ربي ، فوقع الالتفات إلى الخطاب تأنيساً للنبيء صلى الله عليه وسلم بزيادة توغّل الكلام معه في طريقة الخطاب.
واختير اسم الربّ لما فيه من معنى العناية والتدبير.
و {روح القدس} : جبريل.
وتقدّم عند قوله تعالى {وأيّدناه بروح القدس} في سورة البقرة (87) .
والروح: المَلَك ، قال تعالى: {فأرسلنا إليها روحنا} [سورة مريم: 17] ، أي ملَكاً من ملائكتنا.
والقُدس: الطُهر.
وهو هنا مراد به معنياه الحقيقي والمجازي الذي هو الفضل وجلالة القدر.
وإضافة الروح إلى القدس من إضافة الموصوف إلى الصّفة ، كقولهم: حاتم الجود ، وزيد الخَير.
والمراد: حَاتم الجواد ، وزيد الخيّر.
فالمعنى: الملك المقدس.
والباء في {بالحق} للملابسة ، وهي ظرف مستقرّ في موضع الحال من الضمير المنصوب في {نزله} مثل {تَنبُتُ بالدُهن} [سورة المؤمنون: 20] ، أي ملابساً للحقّ لا شائبة للباطل فيه.
وذكرت علّة من عِلل إنزال القرآن على الوصف المذكور ، أي تبديل آية مكان آيةٍ ، بأن في ذلك تثبيتاً للذين آمنُوا إذ يفهمون محمل كل آية ويهتدون بذلك وتكون آيات البشرى بشارة لهم وآيات الإنذار محمولة على أهل الكفر.
ففي قوله تعالى: {نزله روح القدس من ربك} إبطال لقولهم: {إنما أنت مفتر} [سورة النحل: 101] ، وفي قوله تعالى ؛ {بالحق} إيقاظ للناس بأن ينظروا في حكمة اختلاف أغراضه وأنها حقّ.
وفي التعليل بحكمة التثبيت والهدى والبُشرى بيانٌ لرسوخ إيمان المؤمنين وسداد آرائهم في فهم الكلام السامي ، وأنه تثبيت لقلوبهم بصحة اليقين وهدًى وبشرى لهم.