فإن في الصوم أجراً كثيراً كما في الحديث القدسي"إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"، والصائمون من خيار الصابرين. لأنهم صبروا لله عن شهوة بطونهم وفروجهم. والله يقول: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] ومشقة الصوم عادية ليس فيها صعوبة شديدة تكون مظنة لعدم القدرة على الامتثال ، وإن عرض ما يقتضي ذلك كمرض أو سفر. فالتسهيل برخصة الإفطار منصوص بقوله {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] . وتارة تكون الخيرة في الأخف ، وذلك فيما إذا كان الأثقل المنسوخ شديد الصعوبة بحيث يعسر فيه الامتثال. فإن الأخف يكون خيراً منه ، لأن مظنة عدم الامتثال تعرض الملكف للوقوع فيما لا يرضي الله ، وذلك قوله: {وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله} [البقرة: 284] فلو لم تنسخ المحاسبة بخطرات القلوب لكان الامتثال صعباً جداً ، شاقاً على النفوس ، لا يكان يسلم من الإخلال به ، إلى من سلمه الله تعالى - فلا شك أن نسخ ذلك بقوله: {لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] خير للمكلف من بقاء ذلك الحكم الشاق ، وهكذا.
والجواب عن الإشكال الثاني - هو أن قوله {أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106] يراد به مماثلة الناسخ والمنسوخ في حد ذاتيهما. فلا ينافي أن يكون الناسخ يستلزم فوائد خارجة عن ذاته يكون بها خيراً من المنسوخ ، فيكون باعتبار ذاته مماثلاً للمنسوخ ، وباعتبار ما يستلزمه من الفوائد التي لاتوجد في المنسوخ خيراً من المنسوخ.