ترك الشَّهَوَات لله وَإِن أنجى من عَذَاب الله وَأوجب الْفَوْز برحمته فذخائر الله وكنوز الْبر وَلَذَّة الْأنس والشوق إِلَيْهِ والفرح والابتهاج بِهِ لَا يحصل فِي قلب فِيهِ غَيره وَإِن كَانَ من أهل الْعِبَادَة والزهد وَالْعلم فَإِن سُبْحَانَهُ أَبى أَن يَجْعَل
ذخائره فِي قلب فِيهِ سواهُ وهمّته ومتعلقة بِغَيْرِهِ وَإِنَّمَا يودع ذخائره فِي قلب يرى الْفقر غنى مَعَ الله، والغنى فقرا دون الله، والعز ذلا دونه، والذل عزا مَعَهُ، وَالنَّعِيم عذَابا دونه، وَالْعَذَاب نعيما مَعَه.
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يرى الْحَيَاة إِلَّا بِهِ وَمَعَ الْمَوْت والألم والهم وَالْغَم والحزن إِذا لم يكن مَعَه فَهَذَا لَهُ جنتان جنَّة فِي الدُّنْيَا مُعجلَة وجنة يَوْم الْقِيَامَة.
(فصل)
أهل السعادة والفلاح حياتهم في الدنيا أطيب الحياة، ولهم في البرزخ وفي الآخرة أفضل الثواب.
قال تعالى: {من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} فهذا في الدنيا، ثم قال: {ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} فهذا في البرزخ والآخرة.
وقال تعالى: {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون}
وقال تعالى: {وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله} فهذا في الآخرة.
وقال تعالى: {قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}
فهذه أربعة مواضع ذكر الله تعالى فيها أنه يجزي المحسن بإحسانه جزاءين: جزاء في الدنيا وجزاء في الآخرة.
فالإحسان له جزاء معجل ولا بد، والإساءة لها جزاء معجل ولا بد.
ولو لم يكن إلا ما يجازى به المحسن من انشراح صدوره في انفساح قلبه وسروره ولذاته بمعاملة ربه عز وجل وطاعته وذكره ونعيم روحه بمحبته.
وذكره وفرحه بربه سبحانه وتعالى أعظم مما يفرح القريب من السلطان الكريم عليه بسلطانه.