والمعنى: التوبيخ للمشركين والتقريع لهم ، أي: أن العبادة إنما يستحقها من كانت هذه صفته لا من كان جاهلاً عاجزاً لا يضرّ ولا ينفع ولا يعلم بشيء من أنواع العلم {وَمَا أَمْرُ الساعة} التي هي أعظم ما وقعت فيه المماراة من الغيوب المختصة به سبحانه {إِلاَّ كَلَمْحِ البصر} اللمح: النظر بسرعة ، ولا بدّ فيه من زمان تتقلب فيه الحدقة نحو المرئي ، وكل زمان قابل للتجزئة ، ولذا قال: {أَوْ هُوَ} أي: أمرهما {أَقْرَبُ} وليس هذا من قبيل المبالغة ، بل هو كلام في غاية الصدق ، لأن مدّة ما بين الخطاب وقيام الساعة متناهية ، ومنها إلى الأبد غير متناه ، ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.
أو يقال: إن الساعة لما كانت آتية ولا بدّ جعلت من القرب كلمح البصر.
وقال الزجاج: لم يرد أن الساعة تأتي في لمح البصر ، وإنما وصف سرعة القدرة على الإتيان بها ، لأنه يقول للشيء كن فيكون ، وقيل: المعنى هي عند الله كذلك وإن لم تكن عند المخلوقين بهذه الصفة.
ومثله قوله سبحانه: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً} [المعارج: 6 - 7] .
ولفظ"أو"في {أو هو أقرب} ليس للشك ، بل للتمثيل.
وقيل: دخلت لشك المخاطب ، وقيل: هي بمنزلة بل {إِنَّ الله على كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ} ومجيء الساعة بسرعة من جملة مقدوراته.
ثم إنه سبحانه ذكر حالة أخرى للإنسان دالة على غاية قدرته ، ونهاية رأفته ، فقال: {والله أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أمهاتكم لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا} وهذا معطوف على قوله: {والله جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} منتظم معه في سلك أدلة التوحيد ، أي: أخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالاً لا علم لكم بشيء ، وجملة {لا تعلمون شيئاً} في محل نصب على الحال ، وقيل: المراد: لا تعلمون شيئاً مما أخذ عليكم من الميثاق.
وقيل: لا تعلمون شيئاً مما قضي به عليكم من السعادة والشقاوة.