وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا: إنَّ الْحَيَاةَ وَالْآدَمِيَّةَ عِلَّةُ الْمِلْكِ ، فَهُوَ آدَمِيٌّ حَيٌّ ، فَجَازَ أَنْ يَمْلِكَ كَالْحُرِّ ، وَإِنَّمَا طَرَأَ عَلَيْهِ الرِّقُّ عُقُوبَةً ، فَصَارَ لِلسَّيِّدِ عَلَيْهِ حَقُّ الْحَجْرِ ، وَذِمَّتُهُ خَالِيَةٌ عَنْ ذَلِكَ ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ وَفَكَّ الْحَجْرَ عَنْهُ رَجَعَ إلَى أَصْلِهِ فِي الْمَالِكِيَّةِ بِعِلَّةِ الْحَيَاةِ وَالْآدَمِيَّةِ وَبَقَاءِ ذِمَّتِهِ خَالِيَةً عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ} ، فَأَضَافَ الْمَالَ إلَى الْعَبْدِ ، وَمَلَّكَهُ إيَّاهُ ، وَجَعَلَهُ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا لَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ إضَافَةُ مَحَلٍّ ، كَمَا يُقَالُ سَرْجُ الدَّابَّةِ وَبَابُ الدَّارِ ، فَيُضَافُ ذَلِكَ إلَيْهَا ، إضَافَةَ مَحَلٍّ لَا إضَافَةَ تَمْلِيكٍ.
قُلْنَا: إنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ إضَافَةُ مَحَلٍّ ؛ لِأَنَّ
الدَّابَّةَ وَالدَّارَ لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا الْمِلْكُ وَلَا يَصِحُّ لَهُمَا التَّمْلِيكُ ؛ بِخِلَافِ الْعَبْدِ ، فَإِنَّهُ آدَمِيٌّ حَيٌّ ، فَصَحَّ أَنْ يَمْلِكَ وَيُمَلَّكَ ، وَجَازَ أَنْ يَقْدِرَ وَيُقْدَرَ.
وَالدَّلِيلُ الْقَاطِعُ لِرَأْيِهِمْ الْمُفْسِدُ لِكَلَامِهِمْ أَنَّهُ إذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي النِّكَاحِ جَازَ ، فَنَقُولُ: مَنْ مَلَكَ الْأَبْضَاعَ مَلَكَ الْمَتَاعَ كَالْحُرِّ ، وَهَذَا لِأَنَّ الْبُضْعَ أَشْرَفُ مِنْ الْمَالِ ، فَإِذَا مَلَكَ الْبُضْعَ بِالْإِذْنِ فَأَوْلَى وَأَحْرَى أَنْ يَمْلِكَ الْمَالَ الَّذِي هُوَ دُونَهُ فِي الْحُرْمَةِ بِالْإِذْنِ.