قِيلَ لَهُ: إنَّمَا أَرَادَ بِهِ عَبْدًا أَبْكَمَ ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ: {وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ} فَذِكْرُ الْمَوْلَى وَتَوْجِيهُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْعَبْدُ ، كَأَنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلًا عَبْدًا غَيْرَ أَبْكَمَ وَجَعَلَهُ مَثَلًا لِلصَّنَمِ فِي نَفْيِ الْمِلْكِ ، ثُمَّ زَادَهُ نَقْصًا بِقَوْلِهِ {أَبْكَمَ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ} فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ عَبْدًا أَبْكَمَ مُبَالَغَةً فِي وَصْفِ الْأَصْنَامِ بِالنَّقْصِ وَقِلَّةِ الْخَيْرِ وَأَنَّهُ مَمْلُوكٌ مُتَصَرَّفٌ فِيهِ.
فَإِنْ قِيلَ: أَرَادَ بِقَوْلِهِ: {وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ} ابْنَ عَمِّهِ لِأَنَّ ابْنَ الْعَمِّ يُسَمَّى مَوْلًى.
قِيلَ لَهُ: هَذَا خَطَأٌ ، لِأَنَّ ابْنَ الْعَمِّ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ ابْنِ عَمِّهِ وَلَا أَنْ يَكُونَ كَلًّا عَلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ تَوْجِيهُهُ فِي أُمُورِهِ ، فَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ لِلْأَبْكَمِ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْحُرَّ الَّذِي لَهُ ابْنُ عَمٍّ وَأَنَّهُ أَرَادَ عَبْدًا مَمْلُوكًا أَبْكَمَ وَعَلَى أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِذِكْرِ ابْنِ الْعَمِّ هَهُنَا لِأَنَّ الْأَبَ وَالْأَخَ وَالْعَمَّ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ ابْنِ الْعَمِّ وَأَوْلَى بِهِ ، فَحَمْلُهُ عَلَى ابْنِ الْعَمِّ يُزِيلُ فَائِدَتَهُ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَوْلَى إذَا أُطْلِقَ يَقْتَضِي مَوْلَى الرِّقِّ أَوْ مَوْلَى النِّعْمَةِ وَلَا يُصْرَفُ إلَى ابْنِ الْعَمِّ إلَّا بِدَلَالَةٍ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْأَصْنَامَ لِأَنَّهُ قَالَ: عَبْدًا مَمْلُوكًا وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ لِلصَّنَمِ.