وإذا قامت الحرب بين المسلمين المؤمنين بالقرآن ، فإن الإسلام يتشوّف للسلم يبتغيه ، ولا يريد الاستمرار في مذبحة ، فإن مالوا للسلم أجابهم المسلمون ، ولو كانوا يتوقعون الخديعة ، ما دامت لم تظهر أماراتها ، ولذلك يقول سبحانه وتعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ، وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 61: 63] .
وقد تَربَّت النفس المؤمنة على المحبة ، فكانت تكره القتل والقتال إلَّا أن يكون ذلك جهادًا ، ولذلك قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216] ، وكان القتال بالجهاد لدفع الشر وتعميم الخير ؛ لأنَّ الإسلام يدعو إلى الخير وإلى الفضيلة ، وفضيلة الإسلام إيجابية وليست سلبية ، فهي تدافع الرذيلة ولا تستسلم.
وإذا كان الوجود يتنازع فيه الخير والشر ، والفضيلة والرذيلة ، فإنه لا بُدَّ من دفاع الخير ، لقد أراد الإسلام للناس المحبة ، ولكن أراد إبليس لهم البغضاء ، فكان لا بُدَّ من النزاع بين مبدأ المحبة والبغضاء ، وإلَّا يُدْفَع الشر ساد الفساد ، وعمت الرذائل ، لذلك شرع مبدأ الجهاد لدفع الشر ، ومنع الفساد ، ولقد قال الله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251] .