الأمر الأول: إنَّ أهل الجاهلية في هذا العصر يقولون: إنه لم يكن ثمَّة نص على النهي مثل قوله:"لا تشربوا"، وأن ذلك القول التافه كان غير جدير بالالتفات إليه ، ولكن كثير ترداده ، فحق علينا البيان فنقول:
إن النص الكريم شدَّد في النهي من وجوه كثيرة:
أولها: إنه قرن الخمر والميسر بالعبادة بالذبح على النصب ، وتلك قريبة التحريم في ذاتها.
وثانيها: إنَّه وصفها بأنها من عمل الشيطان ، وأنها رجس ، أي: أمر قذر في ذاته ، فهي ضارة ، ولا تتقبلها النفس الفطرية ، ومضارّها الجسمية معلومة لكل مدرك أريب.
وثالثها: إنَّه طالب باجتنابها ، والاجتناب يقتضي البعد عنها ، وعن مجالسها ، وعن شاربيها ، وذلك أبلغ من قولك: لا تشربها.
ورابعها: إنها تدفع إلى العداوة والبغضاء ، وهما أمران مفسدان ، مقوضان لبناء المجتمع.
وخامسها: إنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، والصلاة فرض لازم هو شعار الإسلام ، والصدّ عنه أشد الأمور في الإسلام فهو حرام ، فكل ما يؤدي إليه يكون حرامًا مثله ؛ لأنَّ ما يفضي إلى الحرام يكون حرامًا.
وسادسها: قوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} ، وقد قلنا أنَّها أبلغ صيغة في النهي عن الفعل.
الأمر الثاني الذي يجب التنبيه إليه: هو أنَّ الخمر كل ما يخامر العقل ويستره ، ويمنعه من الإدراك المستقيم ، سواء أكان النيئ من ماء العنب ، أم كان المطبوخ منه ، وسواء أكان من العنب أو البلح ، أو غيرهما.
وعندما نزل ذلك النص القاطع في التحريم أراق الصحابة كل ما عندهم من دنان الخمر ، ولم يكن فيها النيئ من ماء العنب ، بل كانت كلها أنبذة.
فكل شراب من شأنه أن يسكر أو يؤدي إلى السكر يكون حرامًا ، سواء أكان نبيذ العنب أو التفاح أو البلح أو البصل أو نيئ القصب ، وسائر ما يخترعه الإنسان ليفسد عقله ، وسواء أكان سائلًا أم كان جامدًا.