وإنَّه لا يتصور إيمان من غير صلاة ، فالصلاة أمر محتوم ، وقد نهى عن أن يقربها وهو سكران ، حتى يعلم ما يقول: والعلم بما يقول هو العلم ما ينبغي قوله ، وما لا ينبغي ، ونتائج القول ، وتحري الصدق ، وكل هذا لا يكون إلَّا من ذوي وعي كامل مدرك لحقائق الأمور وغاياتها ، ولا يكون ذلك إلَّا إذا كان على بعد من الشرب بوقت طويل ، وقال - سبحانه وتعالى: {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ} ، ولم يقل: لا تدخلوا في الصلاة ؛ لأنَّ النهي عن المقاربة أبلغ من النهي عن الدخول.
وإذا كانت الصلوات خمسًا موزَّعة في النهار وزلفًا من الليل ، فإنه لا بُدَّ أن يكون على صحوٍ كامل من قَبْل الفجر حتى لا يقرب صلاة الفجر وهو لا يعلم ما يقول ، ولا بُدَّ أن يكون في صحو قبل الظهر ، ولا بُدَّ أن يكون الصحو مستمرًّا إلى العصر ،
لقرب ما بينهما ، ومثل ذلك المغرب والعشاء ، وبذلك يذوق المسلم حلاوة البعد عنها ، كما تعوَّدها من قبل ، وهي شراب غير مريء.
فكان ذلك النص الكريم تربية للنفس المؤمنة ، وعلاجًا لترك أمر مذموم ألفوه بأمر حسن عرفوه وذاقوا حلاوته.
ولم يجد عمر المدرك بنور الله في ذلك بيانًا شافيًّا ؛ لأنه يغرب في نهي قاطع ، لا تردد فيه.
ولقد نزل بعد ذلك الأمر الحاسم القاطع الناهي نهيًا لازمًا فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 90 ، 91] .
وقد قال علماء البلاغة: إنَّ قوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} هي أبلغ صيغ النهي ، ويجدر بنا هنا أن ننبه إلى أمرين: