ونظرة صغيرة في الموازنة بين شريعة القرآن وشريعة الرومان ، لقد كان الرومان يضاعفون عقوبة العبد إن ارتكب جريمة ، ويخففون العقوبة على الحر ، فهم يقولون: إنَّ العبد إذا زنى بحرة يقتل ، وأمَّا الشريف الروماني فإنه إذا زنى يغرم غرامة بسيطة ،
فمنطقهم الظالم يسير سيرًا عكسيًّا ، تصغير العقوبة عندهم بكبر المجرم وتكبر بصغره ، أمَّا الإسلام فإنه ينظر في الأمر بمنطق مستقيم ، فالجريمة تكبر بكبر المجرم ، ويكون العقاب على قدرها ، وتصغر بصغر المجرم ، ويكون العقاب على قدرها ؛ وذلك لأنَّ الجريمة هوان ، وأن الهوان يسهل على الضعيف ؛ إذ لا قوة نفس تعصمه وتنهاه ، وأن العبد والأمة في ذلٍّ وهوان ، فالجريمة منها قريبة ، فيعذران ، ويخفف عليهما العقاب ، وذلك هو منطق العدل المستقيم ، وهو شرع الله العظيم.
حد القذف:
210 -القذف هو رمي المحصنات والمحصنين بالزنى ، من غير دليل مثبت ، بل بمجرَّد الظنّ الواهم ، أو الإيذاء الآثم ، وفي ذلك تهوين للجريمة وإشاعة للفاحشة في الذين آمنوا ، ولذلك كان العقاب الصارم على من يقذف ، ويرمي المحصنين والمحصنات من غير تثبت ولا تحرج ، ولقد قال الله تعالى في ذلك مبينًا له بعد حد الزنى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 4 ، 5] .
وهذا النص السامي دلَّ على أمور ثلاثة:
أولها: إنَّ الرمي بالزنى لا بُدَّ أن يكون ثابتًا بشهادة أربعة من الشهداء وإلّا عُدَّ قذفًا باطلًا ، وكان له عقوبة قاسية ، وهو الجلد ثمانين جلدة ، وهو عقوبة مادية لا هوادة فيها.