207 -وإنَّ الجريمة التي تقترب من جريمة الحرابة جريمة السرقة ، بيد أنهما يفترقان ، فالسرقة أخذ المال في خفية من حرز مثله ، بينما الحرابة أخذ المال بقوة لا يلاحظ فيها الاختفاء ، ولكن يلاحظ الأمن من الاستغاثة وإجابة المستغيث ، فهي في خفاء عن المجتمع ، لا في خفاء عن صاحب المال ، ويفترقان في أن هذه جماعية تخرج بقوة تقاوم قوة الدولة ، ويفترقان في أنَّ الحرابة تتعدد فيها أنواع الجرائم ، والسرقة لا تتعد فيها أنواع الجرائم ، ولذلك تتعدد فيها العقوبة.
ويتفقان في أمرين: أحدهما: إن في الجريمتين إفزاع الناس وإزعاج الآمنين ، فلا يأمن أحد على نفسه أو ماله ، ويتفقان أيضًا في أنَّ التوبة تقبل من قطّاع الطريق قبل القدرة عليهم ، وتقبل في السرقة على قول كثيرين من الفقهاء ، وهذا يتفق مع نص القرآن الكريم.
وعقوبة السرقة نص عليها في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ، فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 38 ، 39] .
وقد اشترط في التوبة في هذه الحال أن يصلح لا أن يتوب بلسانه ، ولا شك أنه إذا سرق من بعد التوبة فإنه تقطع يده.
ولهذا التشابه بين السرقة والحرابة قالوا: إن الحرابة هي السرقة الكبرى ، وتلك التسمية صحيحة ، وإن كان معها جرائم القتل.
وقد يقول الذين يرحمون المجرم ولا يرحمون الآمن معترضين على ذلك متعللين بأمرين:
أحدهما: إن العقوبة ليست متكافئة مع الجريمة مهما يكن نصاب السرقة ، فهل تقطع يد في سرقة عشرة دراهم أو ربع دينار كما قال الإمام مالك ، ويرددون قول أبي العلاء:
يد بخمس مئين عسجد وديت ما يالها قطعت في ربع دينار
والثاني: إنَّ العقوبة في ذاتها غليظة تكثر من المشوهين الذين تفذى الأعين برؤيتهم.