وإنه بمقتضى هذا النص تكون الوصية واجبة لفقراء الأقارب غير الوارثين ، وذكر الوالدين لأنهما قد يكونان غير وارثين ، لاختلاف الدين ، كما كان الأمر في صدر الإسلام ، إذ كان الرجل يكون مشركًا والمرأة كذلك ، وولدهما قد هداه الله تعالى إلى الإسلام ، فيكون عليه أن يوصي لهما ؛ لأن ذلك من الإحسان ، والمصاحبة لهما بمعروف ، كما قال تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15] .
ومن العلماء من قال: إن نصيب الأبوين من الميراث إن كان قليلًا تصح الزيادة عليه بالوصية ، وكذلك الأقربون من الورثة ، إن كان نصيب أحدهم ضئيلًا لا يسمن ولا يغني من جوع ، جاز زيادته بالوصية من الثلث ، وذلك ما تفيده الآية. وقوله تعالى: بالمعروف ، معناه بالأمر المعقول ، فلا يزيد القادر ذا المال على ماله ، ولكن يعطي الضعيف ذا الحاجة الذي لم يأخذ شيئًا من الميراث.
ودلت الآية الكريمة على جواز التدخل في الوصية إذا كان فيها ظلم للورثة بالميل الظالم أو كان فيها إثم كالوصية لخليلة ، أو الوصية لحانة ، فإنه يجوز في هذه الحال الدخول للإصلاح وتحويل الوصية إلى خير ، ولذلك قرر بعض الفقهاء أخذًا من هذا أن إبطال الوصية الظالمة أو إصلاحها بحكم القضاء جائز.
ومن التابعين من قرَّر أنَّ الميت إذا ترك الوصية لأقاربه الضعفاء غير الوارثين ، كانت لهم وصية ، وأوجبها ابن حزم ، والله - سبحانه وتعالى - يعلم المفسد من المصلح.
203 -هذا هو نظام الملكية بالخلافة ، جعله القرآن إجباريًّا في الثلثين كما بينت السنة ، وجعله اختياريًّا للوارث في الثلث ، وأوجب أن يكون في غير إثم ، وأنه يجب إبطاله إن كان إثمًا.
واختصَّ القرآن الكريم الأقارب الضعفاء الفقراء بإيجاب الوصية لهم بالمعروف ، وقد وضحنا ذلك آنفًا.