ومجمل القول: أن ما يعرض في الهرم من ضعف القوة والقدرة وانتفاء العلم يتنزه عن مثله المولى سبحانه جلَّ شأنه، فهو كامل العلم، تامُّ القدرة، لا يتغير شيءٌ منهما بمرور الأزمنة، كما يتغير علم البشر وقدرتهم.
71 -ولمَّا ذكر سبحانه تفاوت الناس في الأعمار .. ذكر تفاوتهم في الأرزاق فقال: {وَاللَّهُ} سبحانه وحده {فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ} ؛ أي: فاوت بينكم في الرزق، كما فاوت بينكم في الذكاء والبلادة، والحسن والقبح، والصحة والسقم، وقوة البدن وضعفه، فجعلكم متفاوتين فيه، فوسع على بعض عباده، حتى جعل له من الرزق ما يكفي أُلوفًا مؤلفة من بني آدم، وضيقه على بعض عباده، حتى صار لا يجد القوت إلا بسؤال الناس والتكفف لهم، وذلك لحكمة بالغة تقصر عقول العباد عن تعقلها والاطلاع على حقيقة أسبابها، والرزق ما يسوقه الله تعالى إلى الحيوان من المطعومات والمشروبات، وفيه تنبيه على أن غنى المكثر ليس من كياسته ووفور عقله وكثرة سعيه، ولا فقر المقل من بلادته نقصان عقله وقلة سعيه، بل من الله تعالى ليس إلا:
كَمْ عَاقِلٍ عَاقِلٍ أَعْيَتْ مَذَاهِبُهُ ... وَجَاهِلٍ جَاهِلٍ تَلْقَاهُ مَرْزُوقًا
وحاصل المعنى: أي والله تعالى جعلكم متفاوتين في أرزاقكم، فمنكم الغنيُّ، ومنكم الفقير، ومنكم المملوك، ومنكم المالك، وأعطاكم من الرزق أكثر مما أعطى مماليككم، ولم يجعل ذلك بحسن الحيلة وفضل العقل فحسب، فكثيرًا ما نرى الحول القلب، لا يحصل إلا على الكفاف من الرزق بعد الجهد الجهيد، بينما ترى الأحمق يتقلب في نعيم العيش وزخرف الدنيا، ولله در سفيان بن عيينة - رحمه الله - إذ يقول:
كَمْ مِنْ قوِيٍّ قوِيٌّ فِيْ تَقَلُّبهِ ... مُهَذَّبُ الرَّأي عَنْهُ الرِّزْقُ مُنْحَرِفُ
وَمِنْ ضَعِيْفٍ ضَعِيفُ العَقْلِ مُخْتَلِطٌ ... كَأَنَّهُ مِنْ خلِيج الْبَحْرِ يَغْتَرِفُ