فإن قيل: إن وقت إِهلاكهم إذا جاء لا يتصور تقدمهم عنه، فلماذا قيل: {وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} فالجواب أن ذكره للمبالغة في بيان عدم تأَخره بنظمه في سلك ما يمتنع تنْبيهًا على أنه مثله في الامتناع. كما في قوله تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} فإِن من مات كافرا معلوم بالضرورة أنه لا تقبل توبتُه بعد موته, وليس بحاجة إلى التصريح به، ولكنه ذكر مع من لا تقبل توبته عند الغرغرة ومشارفة الموت للإِيذان بأَنهما سواء في عدم قبول التوبة, لأَنها حدثت منه بعد يأسه من الحياة, فكان مِثْل من مات كافرًا في أَنه لا توبة له.
{وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (62) تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) }
المفردات:
{وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ} : أي ينسبون إليه البنات التي يكرهونها لأنفسهم.
{وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ} : أي تحكي الكذب بادعائها أن لهم العاقبة الحسنى في الآخرة.
{لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ} : لا بُدَّ ولا محالة. {مُفْرَطُونَ} : متروكون منسيون في النار. كما قاله ابن الأعرابى وأبو عبيدة وغيرهما. وقال الحسن وقتادة: مُعجَّلون إلى النار مقدمون إلها، وأصله من أَفرطته أي قدمته في طلب الماء، والفرط الذي يتقدم إلى الماء، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم:"أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ"أي متقدمكم إليه.
{تَاللهِ} : أي وحق الله. {وَلِيُّهُمُ} : أي متولي إغوائهم أو ناصرهم.
التفسير