اختلف الناس في أنه هل يجوز للمجتهد تقليد المجتهد ؟ منهم من حكم بالجواز واحتج بهذه الآية فقال: لما لم يكن أحد المجتهدين عالماً وجب عليه الرجوع إلى المجتهد الآخر الذي يكون عالماً لقوله تعالى: {فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ} فإن لم يجب فلا أقل من الجواز.
المسألة الثالثة:
احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا: المكلف إذا نزلت به واقعة فإن كان عالماً بحكمها لم يجز له القياس ، وإن لم يكن عالماً بحكمها وجب عليه سؤال من كان عالماً بها لظاهر هذه الآية ، ولو كان القياس حجة لما وجب عليه سؤال العالم لأجل أنه يمكنه استنباط ذلك الحكم بواسطة القياس ، فثبت أن تجويز العمل بالقياس يوجب ترك العمل بظاهر هذه الآية فوجب أن لا يجوز ، والله أعلم.
وجوابه: أنه ثبت جواز العمل بالقياس بإجماع الصحابة ، والإجماع أقوى من هذا الدليل ، والله أعلم.
ثم قال تعالى: {بالبينات والزبر} وفيه مسألتان:
المسألة الأولى:
ذكروا في الجالب لهذه الباء وجوهاً: الأول: أن التقدير: وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالاً يوحى إليهم ، وأنكر الفراء ذلك وقال: إن صلة ما قبل إلا لا يتأخر إلى بعد ، والدليل عليه: أن المستثنى عنه هو مجموع ما قبل إلا مع صلته ، فما لم يصر هذا المجموع مذكوراً بتمامه امتنع إدخال الاستثناء عليه.
الثاني: أن التقدير: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً يوحى إليهم بالبينات والزبر ، وعلى هذا التقدير فقوله: {بالبينات والزبر} متعلق بالمستثنى.
والثالث: أن الجالب لهذا الباء محذوف ، والتقدير أرسلناهم بالبينات وهذا قول الفراء.
قال: ونظيره ما مر إلا أخوك بزيد ما مر إلا أخوك ثم يقول مر بزيد.
الرابع: أن يقال: الذكر بمعنى العلم ، والتقدير فاسألوا أهل الذكر بالبينات والزبر إن كنتم لا تعلمون.
الخامس: أن يكون التقدير: إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر فاسألوا أهل الذكر.