وإذا كانت معرفة هذه النعم لَا تبلغها طاقتكم، فأنتم أحرى بألا تبلغ طاقاتكم شكرها؛ ولذا قال تعالى بعد بيان أن الناس لَا يستطيعون إحصاء نعمه عليهم: (إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) أكد سبحانه مغفرته ورحمته، فكانت المغفرة من الرحمة، إذ إنه سبحانه لَا يطالبكم بالشكر إلا فيما تعرفون وما تطيقون وفيما تعرفون يعفو عن كثير سبحانه وتعالى، وقد أكد سبحانه هذين الوصفين الجليلين أولا بـ (إن) المؤكدة، وبصيغة المبالغة، وباللام، واللَّه على كل شيء قدير. وإن الله تعالى يحاسب القلوب في خيرها لحبه المغفرة، ولإرادته الرحمة، ولعدله، ولكيلا يتساوى المحسن والمسيء؛ ولذا قال عز من قائل:
(وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ(19)
هذه العبارة فيها تهديد لأهل الشرك، وتقريب لأهل الإيمان، فهو يحاسبكم سبحانه على ما تعلنون من أعمال، وما تسرون من عقائد ونيات يصحبها عمل، فإن اتجهتم إلى شكر الخالق بعدم الإشراك به والإحساس بنعمه فإنه غافر لكم ما ترتكبون وتتوبون عنه إذا تبتم عن قريب، وإن أسررتم الخير ونويتموه، وهممتم أن تفعلوه فإنه غافر لكم، لأن الحسنات يذهبن السيئات، وبالنسبة للشر لَا تحاسبون إلا بما تفعلون، وما تعتقدونه من شرك وعبادة غيره، كما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ. . .) ؛ لأن الغفران
لا يكون إلا في دائرة الإيمان بألوهية الله تعالى وحده، فمن آمن بالله وحده، كان جديرا بنعمة الغفران، ومن أشرك بالله غيره، فإنه ليس بجدير، والله بكل شيء محيط.
وقد صرح الله تعالى ببعض الحقائق في معبوداتهم، فقال:
(وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ(20)