ويختم اللَّه سبحانه الآية بقوله: (أَفَلا تَذَكرُونَ) يقال في (الفاء) هنا ما قيل في (الفاء) في قوله تعالى: (أَفَمَن يَخْلُقُ كمَن لَا يَخْلُقُ) والاستفهام لإنكار الوقوع مع التوبيخ، والتعبير (أَفَلا تَذَكَرُونَ) فيه إشارة إلى أن عبادة الأحجار من غفلة العقول، وإنها تتذكر وتذهب الغفلة، حتى تتنبه إلى حكم العقل وهو الوحدانية، وذلك حق، لأن عبادة الأوثان من سيطرة الأوهام التي تجعل العقل في غفلة تامة، كما ترى في هذه العصور عند بعض النصارى.
(وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ(18)
بين اللَّه سبحانه وتعالى كيف سوى عبدة الأوثان بين المنعم والأوثان، وبين الخالق والمخلوق، وأنهم قد تجاوزوا المعقول وغفلوا عن الفطرة، فبدل أن يشكروا النعمة كفروها.
وقد ذكر سبحانه وتعالى بعد ذلك أن نعم الله تعالى أكثر من يضبطها العد والإحصاء، وإنها واجبة الشكر على قدر الطاقة فإن ما لَا يحصى لَا يعلم للإنسان، ولا يستطيع الشكر إلا من يعلم، ويقدر ما يعلم.
(وَإِنْ تَعُدُّوا) ، أي إذا أردتم أن تعرفوا نعم اللَّه بالعدد لَا تحصوها، ولا تضبطوها، ففي كونك في بطن أمك في نعمة، وفي غذائك وأنت في الغيب المكون في نعمة، وفي تنقلك في بطن أمك من نطفة إلى علقة، فمضغة مخلَّقة وغير مخلَّقة في نعمة، وإذا خرجت إلى الوجود وجعل لك السمع والأبصار والأفئدة في نعم، وإذا سخر لك الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم فأنت مغمور في نعم، وهكذا في كل حياتك أنت في نعم اللَّه تعالى، وهو القيوم عليك.