ولما ذكر بعض دلائل التوحيد بين أنه إنما ذكرها إزاحة للعذر وإزالة للشبهة ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة فقال: {وعلى الله قصد السبيل} ذكر صاحب الكشاف أن السبيل للجنس والقصد مصدر بمعنى الفاعل يقال: قصد وقاصد أي مستقيم كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه ، والجور الميل عن الاستقامة. احتجت المعتزلة بالآية على مسألتين من أصولهم: إحداهما أنه يجب على الله تعالى الإرشاد والهداية لأن كلمة ،"على"للوجوب والمضاف محذوف أي وعلى الله بيان قصد السبيل ؛ فالمعنى أن هداية الطريق الموصل إلى الحق واجبة عليه. والثانية أنه لا يضل أحداً ولا يغويه وإلا لقيل وعلى الله قصد السبيل وعليه جائرها أو وعليه الجائر فلما غير أسلوب الكلام قائلاً: {ومنها جائر} دل على أنه أراد أن يبين ما يجوز إضافته إليه من السبيلين وما لا يجوز. والجواب عن الأول بعد تسليم إفادة كلمة"على"الوجوب أنه وجوب بحسب الفضل والكرم لا بمعنى استحقاق الذم على الترك. وعن الثاني أن دلالة قوله: {ومنها جائر} على ما ذكرتم ليست دلالة المطابقة ولا التضمن ولا الالتزام ، لأن قول القائل"من السبيل سبل منحرفة"لا يفيد إلا الإخبار بوجود الانحراف في بعض السبيل ، فأما أن فاعل تلك السبيل من هو فلا دلالة للكلام عليه أصلاً على أن قوله: {ولو شاء لهداكم أجمعين} يناقض ما ادعيتم. وتفسير المشيئة بمشيئة الإلجاء والقسر أو بالهداية إلى الجنة خلاف الظاهر كما مر مراراً. ولما استدل على وجود الصانع الحكيم بعجائب أحوال الحيوانات أراد أن يذكر الاستدلال على المطلوب بغرائب أحوال النبات فقال: {هو الذي أنزل من السماء ماء} وقوله: {لكم} متعلق بأنزل أو بشراب خبراً له. والشراب ما يشرب كالطعام لما يطعم والمراد أن الماء النازل من السماء قسمان: بعضه يبقى لأجل الشرب كما هو ويحتمل أن يكون الماء المحتبس في الآبار والعيون منه كقوله: