ولقد قال صاحب الظلال عند هذه الآية خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ: (ويا لها من نقلة ضخمة بين المبدأ والمصير، بين النطفة الساذجة والإنسان المخاصم، الذي يخاصم خالقه فيكفر به، ويجادل في وجوده، أو في وحدانيته. وليس بين مبدئه من نطفة وصيرورته إلى الجدل والخصومة فارق ولا مهلة، فهكذا يصوره التعبير، ويختصر المسافة بين المبدأ والمصير، لتبدو المفارقة كاملة، والنقلة بعيدة، ويقف الإنسان بين مشهدين وعهدين متواجهين: مشهد النطفة المهينة الساذجة، ومشهد الإنسان الخصيم المبين وهو إيجاز مقصود في التصوير) .
وهكذا نجد أن السورة بدأت بتبيان أن استعجال العذاب شرك، ثم بينت أن الرسل بعثوا بالتوحيد، ثم بدأت تقرر أدلة التوحيد إجمالا وتفصيلا لا من خلال ظاهرة الخلق وظاهرة العناية، إذ كل شيء مسخّر للإنسان، فمن الذي فعل هذا كله إلا الله الواحد الأحد.
وَالْأَنْعامَ أي الإبل والبقر والغنم والماعز خَلَقَها فليس ثم خالق غيره لَكُمْ فِيها دِفْءٌ من أصوافها وأوبارها وأشعارها تلبسون وتفترشون وغير ذلك وَمَنافِعُ في نسلها ودرّها وَمِنْها تَأْكُلُونَ لحما
وَلَكُمْ فِيها زيادة على ما مرّ جَمالٌ فالمتعة في النظر إليها نعمة كذلك حِينَ تُرِيحُونَ أي وقت رجوعها من المرعى فإنّها تكون أمدّه خواصر وأعظمه ضروعا وأعلاه أسنمة وَحِينَ تَسْرَحُونَ أي غدوة حين تبعثونها إلى المرعى. قال النسفي: (منّ الله تعالى بالتجمل بها، كما منّ بالانتفاع بها، لأنه من أغراض أصحاب المواشي، لأن الرعيان إذا روّحوها بالعشي، وسرّحوها بالغداة، تزيّنت بإراحتها وتسريحها الأفنية، وفرحت أربابها وأكسبتهم الجاه والحرمة عند الناس، وإنما قدمت الإراحة على التسريح لأن الجمال في الإراحة أظهر إذا أقبلت ملأى البطون حافلة الضروع) .
وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ أي أحمالكم الثقيلة التي تعجزون عن نقلها وحملها إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ.