قالوا:"فلننتظر قليلاً ؛ فقد يكون ما يُبلِّغ به محمد صحيحاً"وبعد أن انتظروا بعضاً من الوقت ، ولم تَأْتِ الساعة كما بَشَّر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قالوا: انتظرنا ولم تَأْتِ الساعة ، فنزل قول الحق سبحانه: {اقترب لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} [الأنبياء: 1] .
وهذا حديث عن الأمر الذي سيحدث فوْرَ قيام الساعة ، فَهَادنُوا وانتظروا قليلاً ، ثم قالوا: أيْنَ الحساب إذن؟ فنزل قوله تعالى:
{أتى أَمْرُ الله . .} [النحل: 1] .
وساعة سَمِع الكُلُّ ذلك فَزِعوا ؛ بمن فيهم من المسلمين ؛ وجاء الإسعاف في قوله من بعد ذلك:
{فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ...} [النحل: 1] .
أي: أن الأمر الذي يُعلنه محمد صلى الله عليه وسلم لا يعلم ميعادَه إلا الله سبحانه ؛ واطمأنَّ المسلمون .
وكُلُّ حدث من الأحداث كما نعلم يحتاج كُلٌّ منها لظرفيْن ؛ ظرْفِ زمانٍ ؛ وظرْفِ مكان . والأفعال التي تدلُّ على هذه الظروف إما فِعْل مَاض ؛ فظرْفُه كان قبل أن نتكلَم ، وفعلٌ مضارع . أي: أنه حَلَّ ، إلا إنْ كان مقروناً ب"س"أو ب"سوف".
أي: أن الفعل سيقع في مستقبل قريب إنْ كان مقروناً ب"س"أو في المستقبل غير المحدد والبعيد إن كان مسبوقاً ب"سوف"، وهكذا تكون الأفعال ماضياً ، وحاضراً ، ومستقبلاً .
وكلمة (أتى) تدلُّ على أن الذي يُخبرك به وهو الله سبحانه إنما يُخبِرك بشيء قد حدث قبل الكلام ، وهو يُخبِر به ، والبشر قد يتكلَّمون عن أشياءَ وقعتْ ؛ ويُخبِرون بها بعضَهم البعض .
ولكن المتكلِّم هنا هو الحقُّ سبحانه ؛ وهو حين يتكلَّم بالقرآن فهو سبحانه لا ينقص عِلْمه أبداً ، وهو علم أَزَليٌّ ، وهو قادر على أن يأتيَ المستقبل وَفْق ما قال ، وقد أعدَّ توقيت ومكان كُل شيء من قبل أنْ يخلقَ ؛ وهو سبحانه خالق من قبل أن يخلق أي شيء ؛ فالخَلْق صفة ذاتية فيه ؛ وهو مُنزَّه في كل شيء ؛ ولذلك قال: