فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 227895 من 466147

ولم صار يتمنَّى الشيء وينذر فيه النذور، ويتقطع إليه شوقاً، فإذا ظفر به صد عنه وأخلق عنه؟ ولم زهد الملوك فيما في أيديهم ورغبوا فيما في أيدي الناس؟

فنقول: إن الله تبارك وتعالى جعل لكل نفسٍ مبلغاً من الوسع لا يمكنها تجاوزه، ولا تتسع لأكثر منه. فكان معها فيما دون الوسع الفقر

وخوف الإخوان، وفيما تجاوزه عز الغنى وأمن العدم. وبهذا وبمثله من ومن البخل والحرص استخفت من احتاج إليها، وأعظمت من استغنى عنها. وجعلها تواقة مشتاقة، متطرفة ملالة، كثيرة النزاع والتقلب، تستحكم عليها الفتنة، ويبلى خيرها من شرها وصبرها من جزعها. ولولا هذه الخلال سقطت المحن، فهي تعظم القليل بالضرورة إليه إن كان من أقواتها، أو لشدة النزاع والشوق إن كان من طرف شهواتها؛ فإن صنوف الشهوات كثيرة، ولكل صنفٍ منها أهل لا يحلفون بما سواه. وتتعجب من الغريب النادر، ويضحكها البديع الطارئ. إلا أنه إذا كثر الغريب صار قريباً، وإذا تجاوز المطلوب مقدار وسعها وحاجاتها فصار ظهرياً وفضلاً استخفت به وقل في أعينها كثيره. وأعظم الأشياء عندها قدراً ما اشتد إليه الفقر والحاجة وإن قل قدره، وأهونها عليها ما استغنى عنه وإن عظم خطره. وجعل لما تتوق إليه وتشتاقه مكاناً من قواها، له. فإذا امتلأ ذلك المكان سروراً، وقضى ذلك الأرب وطراً مما كان طمح إليه، وروى مما كان ظامئاً إليه، انصرف عنه وقلاه، وحال عشقه بغضاً، وشوقه ملالاً.

والعلة في ذلك أن الدنيا دار زوالٍ وملال، ليس في كيانها أن تثبت

هي ولا شيءٌ مما فيها على حالٍ واحدة، وإنما الثبوت الدائم لدار القرار. فالسآمة تلحقها في محبوبها، كما يصيب المنتهي من الطعام والشراب والباه، فإنه ليس شيء أبغض إلى من يتناهى فيه إلى غايته، من النظر إلى ناحيته، فضلاً عن ملابسته، إلى وقت عودة السبب الأول.

فإذا كانت الطبائع تتشابه، ولكل حاسة قوة، فإذا امتلأت تلك القوة من محسوسها لم تجد لها وراءه طعماً ولا ريحاً، وعاد عليها الضرر. فبعض النظر يعمى، والصوت الشديد يصمّ، والرائحة المنتنة تبطل المشم، والأطعمة الحارة المحرقة تبطل حاسة اللسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت