فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 227893 من 466147

ولقد استحسن الناس من بعض رجال العراق أنه دخل على عبد الملك بن مروان فأوقع بالحجَّاج عنده وسبَّه، فلما خرج من عنده خبَّر بما كان منه لبعض أصحابه، فلامه وأنَّبه وقال: ما يؤمنك أن يخبر أمير المؤمنين عبد الملك الحجاج بما قلت فيه - ومرجعك إلى العراق - فيضغنه عليك؟ قال: كلا، والله إني ما رطلت يدي قط أحداً أرزن منه.

هذا والله - أبقاك الله - الغلط البين، والعذر الملفق، وتحسين فارط

الخطأ؛ لأنه ليس كل راجحٍ وعاقلٍ بناصحٍ لصاحب السر، ولو كان أخوه كذلك كان أمره إليه أهمّ، وشأنه أولى. والأعلى من الناس لا يكلف الأدنى هذه المؤونة، وإنما يفعلها الأدنون بالأعلين رغبةً ورهباً، وتحسناً عندهم بحاجتهم إليهم.

وأكثر ما يذيع أسرار الناس أهلوهم وعبيدهم، وحاشيتهم وصبيانهم، ومن لهم عليهم اليد والسلطان. فالسر الذي يودعه خليفةٌ في عاملٍ له يلحقه زينه وشينه، أخرى ألا يكتمه. وهذا سبيل كل سرٍ يستودعه الجلة والعظماء، ومن لا تبلغه العقوبة ولا تلحقه اللائمة.

وقال سليمان بن داود في حكمته: ليكن أصدقاؤك كثيراً، وصاحب سرك واحداً من ألف.

وليس معنى الحديث أن تعد ممن تعرف ألفاً وتقضي إلى واحد بسرك إنْ لم يكن ذلك الواحد موضعاً للأمانة في السر. لكنه قيل: رجلٌ يساوي ألف رجل، ورجلٌ لا يساوي رجلاً. وكقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الناس كإبلٍ مائةٍ لا يوجد فيها راحلةٌ".

فكل ذلك يراد به أنَّ الفضل قليل والنقص قليل لا على نسب ما يتلقاه الاجتماع من هذه الأعداد؛ لأنَّا قد نجد الرجل يوزن بالأمة، ونجد الأمة لا تساوي قلامة ظفر الرجل.

فإذا كان من تقع عليه الشَّريطة معدوماً - سيما من يوثق بحلمه وعقله، وأمانته ونصحه، ومن لا ضرر عليه ولا نفع له في السر الذي يضمر ولا يحرَّم عليه كتمانه، ومن قد وأى على نفسه بالسِّرِّ والحفظ؛ فإنه ليس كلُّ من ضمِّن فلم يضمن ضامناً، ولا من استودع فلم يقبل مستحفظاً، ولا من استخلف فلم يخلف خائناً، وإنما يلحقه الحمد والذم؛ والأجر والإثم إذا ضمن الأمانة ثم خترها - فكأن القوم قالوا: لا تودعن سرك أحداً. وإلا فمتى تجد رجلاً فيه الصفة التي وصف بها مسكينٌ الدارمى نفسه حيث يقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت