لا يدخل على مثله ، ولأنّ الحروف لا تحذف إذا لم يكن فيها تضعيف ، فإذا لم يكن الجارّ ثبت أنه الذي على فاعل ، وهو مأخوذ من الحشا الذي يعني به: الناحية . قال الهذليّ:
يقول الذي يمشي إلى الحرز أهله ... بأيّ الحشا صار الخليط المباين
فحاشا: فاعل من هذا ، والمعنى أنه صار في حشا ، أي:
في ناحية مما قرف فيه ، أي: لم يقترفه ، ولم يلابسه ، وصار في عزلة عنه وناحية ، وإذا كان فعلا من هذا الذي ذكرنا ، فلا بدّ له من فاعل ، وفاعله يوسف ، كأنّ المعنى: بعد من هذا الذي رمي به لله ، أي: لخوفه ومراقبة أمره .
فأما حذف الألف فيه ، فلأن الأفعال قد حذف منها نحو:
لم يك ، ولا أدر ، ولم أبل . وقد حذفوا الألف من الفعل في قولهم: أصاب الناس جهد ، ولو تر ما أهل مكة ، فإنما هو:
ترى ؛ فحذفت الألف المنقلبة عن اللام ، كما حذفت من حاشا من قوله: حاش لله .
ومن حجة الحذف: أنهم زعموا أنه في الخطّ محذوف ، وقد قال رؤبة:
وصّاني العجّاج فيما وصّني ومن ذلك قول الشاعر:
ولا يتحشّى الفحل إن أعرضت به ... ولا يمنع المرباع منها فصيلها
فحاشا وحشّى بمنزلة: ضاعف وضعّف ، وتحشّى مطاوع حشّ ، وإن لم أسمع فيه حشّى ، فهذا لم يستعمل ما هو مطاوع له ، كما أنّ قولهم: انطلق كذلك ، والمعنى: لا يصير الفحل من عقره في ناحية ، أي: لا يمنعه ذلك من عقره للنحر وإطعام الضيف ، وكذلك: لا يمنع المرباع فصيلها ، أي: لا يمنع المرباع من عقره لها فصيلها إشفاقا عليه ، ولكن يعقرها ، كما يعقر الفحل .
وأما قول أبي عمرو: حاشا فإنه جاء به على التمام ، والأصل ، قال أبو الحسن: ولم أسمعها إلا أنها قد كثرت في القراءة ، فكأنه تمّم لأنه رأى الحذف في هذا النحو قليلا ، ويدلّ على جودة التمام: أنّ «ترى» وإن كانت قد حذفت في بعض المواضع ، فإتمامها جيّد ، فكذلك حاشا .
[يوسف: 47]