ذكر محمد بن إسحاق ، ووهب بن منبه ، وغيرهما من أصحاب السير والأخبار ، أنه لما ألح صالح - عليه الصلاة والسلام - على قومه بالدعاء والتذكير والتحذير ، سألوه أن يريهم آية تكون مصداقا على ما يقول ، قال صالح: أي آية تريدون. قالوا: تخرج معنا إلى عيدنا ، فتدعو إلهك ، وندعوا آلهتنا ، فإن استجيب لك اتبعناك ، وإن استجيب لنا اتبعتنا ، فدعوا أصنامهم ألا يجاب لصالح ، ثم سألوه أن يخرج لهم من الصخرة ناقة بأوصاف معينة حسنة حتى يؤمنوا به ، فأخذ منهم المواثيق على ذلك ، فرضوا ، فصلّى صالح ركعتين ودعا ربه ، فتمخضت الصخرة عن ناقة بالأوصاف التي طلبوها ، فآمن
به رئيس القوم (جندع بن عمرو) ورهط معه ، وامتنع الباقون لعنادهم وإصرارهم ، فقال لهم صالح: هذه الناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم. فكانت تشرب يوما وتدع يوما ، وتسقيهم حليبا كثيرا عوضا عما شربت من الماء. لكن الأشرار منهم لم يرق لهم ذلك ، فائتمروا بينهم ، وكانوا تسعة رهط ، فانطلق (قدار) وصحبه ، فرصدوا الناقة حتى صدرت عن الماء ، وقد كمن لها قدار في أصل صخرة على طريقها ، وعند ما وصلت الناقة حثته فتاة جميلة على عقرها ، فشدّ على الناقة بالسيف فكشف عرقوبها ، ورغت رغاة واحدة فتحدر سقيها من الجبل ، ثم طعن قدار في لبتها فنحرها ، فخرج أهل البلد فاقتسموا لحمها فلما علم صالح عليه الصلاة والسلام بالأمر قال لقومه: أدركوا فصيلها ، فإن أدركتموه فعسى أن يرفع عنكم العذاب.
فخرجوا في طلبه ، فرأوه على الجبل ، وجاء صالح عليه الصلاة والسلام ، فلما رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعه ، ثم رغا ثلاثا ، ثم انفجرت الصخرة فدخلها ، فقال صالح عليه الصلاة والسلام لقومه: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ، ذلك وعد غير مكذوب.
[سورة هود (11) : الآيات 65 إلى 66]