ثم ختمت السورة بقوله وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تخفى عليه خافية، عالم غيب السموات والأرض، وسيؤتي كل عامل عمله يوم الحساب وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فله الخلق والأمر، وإليه المرجع والمآب، فلا بد أن يرجع إليه أمرهم وأمرك، فينتقم لك منهم، وإذا كان الشأن كذلك فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ أي فلتجتمع لك العبادة والتوكل، وقرن العبادة بالتوكل دليل على ارتباطهما ببعضهما فمن لا توكل له لا يستقيم على العبادة. ومن توكل على الله كفاه وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أنت وهم، وسيجزيك ويجزيهم، وسينصرك وحزبك في الدارين.
قال صاحب الظلال:
وهكذا تختم السورة بما بدئت به بالتوحيد في العبادة، والتوبة والإنابة، والرجعة إلى الله في نهاية المطاف. وذلك بعد طول التطواف في آفاق الكون، وأغوار النفس، وأطواء القرون. وهكذا يلتقي جمال التنسيق في البدء والختام، والتناسق بين القصص والسياق، بكمال التوجيه والاتجاه في هذا القرآن. وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً.
كلمة في السياق:
بدأت سورة هود عليه السلام بتبيان أن الحكمة من إنزال القرآن على ما هو عليه من إحكام وتفصيل: أن يعبد الله وحده، ثم بينت السورة في مقاطعها اللاحقة أن الرسل جميعا بعثوا في ذلك، وأن أقوامهم عوقبوا بسبب من إعراضهم عن ذلك، وبين المقطع الخامس أن سنة الله هذه مستمرة في تعذيب الكافرين في الدنيا والآخرة، وإذ اتضح هذا الأمر فإن المقطع الأخير جاء ليؤكد استحقاق الذين لم يستجيبوا لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم للعذاب، كما يحذرنا أن نكون كبني إسرائيل في اختلافهم في الكتاب، وهاهنا يأتي أمر بالاستقامة وإقام الصلاة، وتأتي دعوة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتختم السورة بالأمر بالعبادة كما كان بدؤها بذلك.
فوائد:
1 -يلاحظ أن المقطع الأخير في السورة حوى من جملة ما حوى التوجيهات التالية:
أ - الجزم بأن المشركين على ضلال، والجزم بالعقوبة في حقهم.
ب - أن المختلفين من أهل الكتاب يمهلون فلا يستأصلون، وحسابهم آت.