فالآن نضيف إلى هذه الفقرات ما قلناه من قبل هذا الجزء من أن العربي الذي خوطب بهذا القرآن أول مرة لم يكن يحصر مدلول هذا اللفظ وهو يؤمر به في مجرد أداء الشعائر التعبدية.. بل أنه يوم خوطب به أول مرة في مكة لم تكن قد فرضت بعد شعائر تعبدية! إنما كان يفهم منه عندما يخاطب به أن المطلوب منه هو"الدينونة"لله وحده في أمره كله ، وخلع الدينونة لغير الله من عنقه في أمره كله. ولقد فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم"العبادة"نصاً بأنها"الاتباع"وليست هي الشعائر التعبدية ، وهو يقول لعدي ابن حاتم عن اليهود والنصارى ، واتخاذهم الأحبار والرهبان أرباباً:"بلى. إنهم أحلوا لهم الحرام ، وحرموا عليهم الحلال ، فاتبعوهم ، فذلك عبادتهم إياهم". إنما أطلقت لفظة"العبادة"على"الشعائر التعبدية"باعتبارها صورة من صور الدينونة لله في شأن من الشؤون. صورة لا تستغرق مدلول العبادة ، بل إنها تجيء بالتبعية لا بالإصالة!..
ولقد قلنا من قبل في هذا الجزء"إن الواقع أنه لو كانت حقيقة العبادة هي مجرد الشعائر التعبدية ما استحقت كل هذا الموكب الكريم من الرسل والرسالات ؛ وما استحقت كل هذه الجهود المضنية التي بذلها الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وما استحقت كل هذه العذابات والآلام التي تعرض لها الدعاة والمؤمنون على مدار الزمان! إنما الذي استحق كل هذا الثمن الباهظ هو إخراج البشر جملة من الدينونة للعباد ، وردهم إلى الدينونة لله وحده في كل أمر وفي كل شأن ، وفي منهج حياتهم كله للدنيا وللآخرة سواء."