وربك رب الكون الذي استقبلك سخر لك ما ليس في يدك ، وهو سبحانه رب الملكوت الذي يدير كل ذلك وأنت لا تراه ، وهو الذي يدير كل هذه الأشياء . فلا تنظر إلى ظواهر العطاء فقط ، بل انظر إلى مسبِّبات العطاء في ظواهر العطاء ، ولا تلتفت إلى ظاهرة إلا لتعرف ما وراء هذه الظاهرة . وما وراء أي ظاهرة كثير .
ويقول الحق سبحانه: {وَهُوَ رَبُّ العرش العظيم} نعم ، هو رب الكون الذي استقبلك وسخر لك ما في يدك وما ليس في يدك ، وما وراء المرئيات من عالم الملكوت ؛ ليدير بكمال قدرته كل شيء ، وكل ما في الكون ملك لله .
وله سبحانه العرش العظيم ، فما هو العرش؟ نعرف لأول وهلة أن العرش هو السقف ، فحين تبني دوراً واحداً تصنع له السقف ؛ ليحميك من وهج الشمس والمطر ، وإن كانت الأرض رخوة فالمباني تهبط ، وبنينا السقوف حتى تحمي الجدران من عوامل التعرية .
وقول الله سبحانه: {العرش العظيم} معناها: استواء الأمر استواءً يدخل فيه كل مقدور ؛ ولذلك عبر سبحانه عن الملك مثلاً في ملكة سبأ على لسان الهدهد فقال: {إِنِّي وَجَدتُّ امرأة تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} [النمل: 23]
العرش ، إذن ، رمز السيطرة ، وفي حياتنا - ولله المثل الأعلى - نجد أن الذي يأخذ الملك من واحد قبله يبدأ في تطهير الجيوب المحيطة به ويبحث عن الأنصار ؛ ليعيد ترتيب الملك بما يراه مناسباً له ؛ حتى تستقر له الأمور ، ثم يجلس بعد ذلك على العرش .
إذن: فالجلوس على العرش معناه استتباب الأمر استتباباً نهائياً للمالك الأعلى .
وسبحانه يقول: {الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ...} [غافر: 7]