والحق يقول: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ ...} [آل عمران: 185]
إذن: فمراحل الفوز أن يُزْحزح الإنسان أولاً عن النار ، ففي هذا سلب للمضرَّة ، وجلب للمنفعة ، وإن ظل الإنسان في موقعه لا هو في الجنة ولا هو في النار ؛ فهذا هين أيضاً . وإن أدخل الجنة فهذا هو الخير كله .
وإذا كانت هذه هي بعض من خصال الرسول صلى الله عليه وسلم: {رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} ، و {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} ، و {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} ، و {بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} ، فهذه خصال إن استوعبها الإنسان فهو يندفع إلى اتباع هذا الرسول .
وقوله الحق: {بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} نرى فيه الوصف ب"الرءوف"والرأفة هي سلب ما يضر من الابتلاء والمشقة ، و"رحيم"هو الذي يجلب ما ينفع من النعيم والارتقاء .
وحسبكم من هاتين الصفتين أن الله سبحانه وتعالى وصف رسوله بهذين الوصفين {رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} وقد ثبت أنه سبحانه قد وصف نفسه بقوله سبحانه: {إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 7]
إذن: فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يسلك بما عنده ، بل يسلك برأفة مستمدة من رأفة العل الأعلى ، وكذلك رحمته صلى الله عليه وسلم مستمدة من رحمة العلي الأعلى . وكأن الحق سبحانه يبيّن لنا أنه أعطى محمداً صلى الله عليه وسلم بعضاً من الصفات التي عنده ، فكما يبلغكم المشقات في التكاليف ، فهو يبلغكم السلامة من المشقات في الرأفة ، وترقية المنعمات بالرحمة ؛ ولذلك يقول الحق سبحانه: {وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82]
ونعلم أن الشفاء إنما يكون من المرض ، أي: أن القرآن يسلب المضرة أولاً ، ثم يأتي لنا بالمنفعة بعد ذلك وهي الرحمة .