وقول الحق: {قَاتَلَهُمُ الله} أي لعنهم وطردهم ، ويقول سبحانه وتعالى: {أنى يُؤْفَكُونَ} ، وكلمة {أنى} ترد بمعنيين ، فمرة تعني"من أين؟"، ومرة أخرى تعني"كيف؟"، والمثال على معناها الأول قول الحق سبحانه وتعالى على لسان سيدنا زكريا لما دخل على مريم البتول: {أنى لَكِ هذا} [آل عمران: 37] .
قال ذلك لأنه رأى عندها أشياء من الخيرات لم يأت بها إليها ، مع أنه هو الذي يكفلها ، والمفترض فيه أن يأتي لها بمقومات حياتها ، وعندما دخل عليها ووجد شيئاً هو لم يأت به ، سألها: {أنى لَكِ هذا} أي: من أين لك هذا؟ فأجابت مريم المصطفاة بما جاء في القرآن الكريم: {قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله إِنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37] .
وجاء الحق بهذه الكلمة لتخدم أموراً إيمانية كثيرة جداً ، وجاء بها على لسان مريم المصطفاة ؛ لأن المسألة ليست مجرد طعام يأتيها من مصدر لا يعلمه البشر حتى من هي في كفالته . بل هي تقديم لما سوف يحدث . فلا تظن أن الأمور تسير سير المسألة الحسابية بأسباب ومسببات ، وعلل ومعللات ، ومقدمات ونتائج ، بل هي بإرادة الله تعالى ؛ لأنها لو كانت من عند الإنسان لفعلها بحساب ، ولكن الحق سبحانه وتعالى يعطي بلا حساب ؛ لأنه خالق الأسباب ، وهو قادر على أن يخلق المسبَّب على الفور: {يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37] .