وحين أنطق الحق سبحانه وتعالى مريم بهذا إنما كان ليوضح لها ولزكريا في آن واحد: إنك يا زكريا تأتي لها بالرزق في حدود قدراتك وحساباتك البشرية ، ولكن الله يأتيها بالرزق بغير حساب ، وهو ما تستطيع أن تأتي به قدرات البشر ، فقد يكون الرزق الذي رآه سيدنا زكريا عند سيدتنا مريم لوناً من الأطعمة لا يأتي إلا في الصيف ، بينما كان الوقت شتاء ، أو العكس ، وقد يصح أن هذا الرزق ليس في بلادهم مثله ، ولذلك قال: {أنى لَكِ هذا} وقول الحق تبارك وتعالى: {أنى لَكِ هذا} هو قضية تربوية اجتماعية بمعنى أن الكفيل على قوم حينما يرى عندهم أشياء لم يأتِ بها هو ، وجب عليه أن يسأل عن مصدرها ، فحينما ترى في يد ابنك قلم حبر غالي الثمن وأنت لم تحضره له ، لا بد أن تسأله: من أين جئت به؟ وذلك لتعرف التأثيرات الخارجية عليه ، هل سرقه؟ أم أن أحداً أراد استدراجه إلى غرض سَيِّئ فأغراه بهذا القلم؟
لا بد إذن أن تسأل ابنك: من أين لك هذا؟ وكذلك إن رأيت ابنتك ترتدي ثوباً لم تأت لها به ولا أتت به أمها بعلمك ، لا بد أن تسأل ابنتك: من أين لك هذا؟ وهذه القضية إن سيطرت على كل بيت من بيوتنا فلن يحدث في البيوت ما يشينها ، لكننا للأسف الشديد نرى في بعض البيوت طفلاً يدخل ومعه قطعة من الشيكولاتة ، ولا تسأله الأم: من أين لك هذا؟ بل تربت عليه وتأخذ منه قطعة من"الشيكولاته"لتأكل معه .
لكن الأم التي تجيد التربية تماماً تسأل الابن: من أين أتيت بها؟ حتى تعرف هل ثمنها مناسب لمصروف يده أم لا ، فإن لم تجد أنه قد جاء بهذه"الشيكولاتة"من مصدر معلوم لها وحلال فهي تحذره وتضرب على يده .