وهكذا نعلم أن الفهم بين المتكلم والمخاطب يشترط فيه أن يكونا عليمين باللفظ ، فإذا تكلم متكلم بشيء لا علم للسامع به ؛ فهو لا يفهم . وكانوا يضربون لنا المثل قديماً بعلقمة النحوي وكان مشهوراً في النحو والألفاظ واللغة ، ويتقعر في استخدام الكلمات ، ولا يتكلم إلا باللغة الفصيحة الشاذة التي لا يعرفها الناس ، وكان عند علقمة خادم ، فمرض علقمة النحوي مرة وذهب إلى طبيب اسمه"أعجز"ليشكو له علة عنده ، وقال علقمة للطبيب: قد أكلت من لحوم هذه الجوازئ فقصأت منها قصأة أصابني منها وجع من الوابية إلى دأبة العنق ، ولم يزل يمني حتى خالط الخلب وأملت منه السراسيب . ولم يكن الطبيب متخصصاً في اللغة ولا معاجم عنده ، فوقف مستغرباً من كلمات علقمة وقال له: أعدْ عليَّ ما قلته فإني لم أفهم ، فأعاد علقمة عليه ما قاله بغضب ولوم لأنه لم يفهم لغته ، وعرف الطبيب تقعر علقمة فقال له: هات القلم والورقة لأكتب لك الدواء ، وكتب له: خذ حرقة وسلقة ورهرقة واغسله بماروس واشربه بماء ماء . فقال علقمة: أعِدْ عليَّ فوالله ما فهمت شيئاً ، فقال الطبيب: لعن الله أقلَّنا إفهاماً لصاحبه . وعرف علقمة أنه متقعر في اللغة ويأتي بألفاظ ليست من الألفاظ الدائرة على ألسن الناس . وقال أساتذتنا لنا: ولم يؤدبه عن هذا إلا غلامه أي خادمه ، فقد استيقظ علقمة ذات ليلة وقال: يا غلام أصعقت العتاريف ، ولأن الغلام لم يفهم فقد رد قائلاً: زقفيلا ، وقال علقمة للغلام: وما زقفيل؟ قال: وأنت ما أصعقت العتاريف؟ فقال له: يا بني لقد أردت أصاحت الديكة؟ فقال: وأنا أردت لم تَصِحْ .