وبالله قولوا لي: كيف يتحكم نبي أمي في جزيرة تسكنها أمة أمية ، ولا علم لهذا الرسول بأخبار الأمم وكيف لهذا النبي أن يأتي بأخبار نصر أمة على أخرى؟ ويظل هذا الخبر في الكتاب الذي يحمل منهج رسالته قرآناً يُتْلَى ويتعبد به إلى قيام الساعة؟ لقد قالها بثقة في حدوث ما جاء في القرآن في المستقبل القريب ؛ لأنها جاءته عن ربه ، وهو واثق أن قائل هذا الخبر قادر على إنفاذ ما يقول .
وإلا ، فماذا كان يحدث لو أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ذلك ثم مر بضع سنين ولم يأت نصر الروم؟ وماذا يكون موقف الذين آمنوا به كرسول من عند الله؟
إذن: هو صلى الله عليه وسلم لم يكن ليجازف وينطقها إلا بثقة في أن القائل هو الحق سبحانه الذي شاء أن ينزل بالخبر في آية قرآنية تُتلى ، وتُكتب ، وتُحفظ ، ويُصَلَّى بها في كل وقت إلى أن تقوم الساعة . وينزلها سبحانه على محمد صلى الله عليه وسلم وقت أن كان ضعيفاً لا يعرف ميزان القوي ، ولا يعلم هل ستستعد الروم لتنتصر أو لا؟
ثم ألم يكن من الممكن أن يتصالح الروم والفرس؟ كل ذلك لم يكن في حسبان محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الخبر جاء من الله وسبحانه القادر على إنفاذ ما يقول .
ألم يكن هناك إخبار عن أمور خالفت النواميس؟ نعم كانت هناك أمور خارجة عن النواميس وجاء بها الخبر من الله سبحانه وتعالى . . ألم يقل زكريا عليه السلام حين بُشِّر بالولد: {قَالَ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ أمرأتي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عِتِيّاً * قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} [مريم: 8 - 9] .
أي: ما دام الله سبحانه وتعالى قد قال فقد تأكد الحدوث .