وهم بعد ذلك تركوا الأعلى وأخذوا عرض الحياة الأدنى ويتمادون في غيهم ويرتكبون المعاصي تلو المعاصي دون أن يدقوا باب التوبة . لذلك ينبههم الحق سبحانه: {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَاقُ الكتاب أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق ...} [الأعراف: 169]
لقد ورثوا الكتاب ، وفي الكتاب قد أُخذ عليهم عهدٌ موثقٌ ألا يقولوا على الله إلا الحق ، لكن هل يعدل الفاسق عن الباطل ويعود إلى الحق؟ . طبعاً لا ، هم إذن تجاهلوا ما في هذا الكتاب ، رغم أنهم قد درسوا ما فيه مصداقاً لقوله الحق: {وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ}
وكلمة"دَرَسَ"تدل على تكرار العمل ، فيقال:"فلان درس الفقه"أي تعلمه تعلما متواصلاً ليصير الفقه عنده ملكة .
وهو مختلف عمن قرأ الكتاب مرة واحدة ، هنا لا يصبح الفقه عنده ملكة . وحتى نفهم الفرق بين"العلم"و"الملكة"، نقول: إن العلم هو تلقي المعلومات ، أما من درس المعلومات وطبقها وصارت عنده المسألة آلية ، فهذا هو من امتلك ناصية العلم حتى صار العلم عنده ملكة .
إذا التقى صائم - مثلا - بفقيه وسأله عن فتوى في أمر الصيام يجيبه فوراً ؛ لأنه علم كل صغيرة وكبيرة في الفقه . لكن إن تسأل تلميذاً مبتدئاً في الأزهر فقد يرتبك وقد يطلب أن يرجع إلى كتبه ليعثر على الإجابة ؛ لأن الفقه لم يصبح لديه ملكه . والملكة في المعنويات هي مقابل الآلية في الماديات التي تحتاج إلى دُرْبة ، فمن يمسك النول لينسج النسيج ويتقن تمرير المكوك بين الفتلتين لا يفعل ذلك إلا عن دُرْبة . إنه قد تعلم ذلك بصعوبة وتكرار تدريب .