{فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الكتاب} . والكتاب هو التوراة ، والخَلْف أخذوه ميراثاً ، والشيء لا يكون ميراثاً إلا إذا حمله السابق بأمانة وأدّاه للاحق ، ولكن لأنهم أهل إفساد فلنر ماذا فعلوا في الكتاب؟ لقد ورثوه . وبُلِّغ إليهمُ وعرفوا ما فيه . {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ...} [الأعراف: 169]
أي لا حجة لهم في ألاّ يكونوا أصحاب منهج خير ، لكنهم لم يلتفتوا إلى ما في الكتاب - التوراة - من المواثيق ، والحلال ، والحرام ، وافعل كذا ولا تفعل كذا ؛ لم يلتفتوا لكل هذا ؛ لأنهم قالوا لأنفسهم: إن هذا الكتاب يعطي النعيم البعيد في الآخرة ، وهم يريدون النعيم القريب ، فمنهم من قبل الرشوة واستغلال النفوذ . وبذلك أخذوا عَرَضَ الحياة الأدنى وهو عرض الدنيا . ولم يأخذوا إدارة الدنيا بمنهج الله ، والدنيا فيها جواهر أو أعراض ، والجوهر هو الشيء الذاتي ، فالإِنسان بشحمه ولحمه"جوهر"أما لونه إن كان أسمر أو أبيض فهذا عَرَض ، قصيراً أو طويلاً ، صحيحاً أو مريضاً ، وغنيًّا أو فقيراً فهذا عرض .
إذن فالأعراض هي ما توجد وتزول ، والجواهر هي التي تبقى ثابتة على قدر ما كتب لها من بقاء ، وكما يقول علماء المنطق: الجوهر ما قام بنفسه ، والعَرَض ما قام بغيره .
وهم قد أخذوا العرض من الحياة الدنيا ، وعرض الدنيا قد يتمثل في المال الحرام ، وأن يغشوا ويستحلوا الرشوة . ونعلم أن الإِنسان - حتى المؤمن - قد تحدث منه معصية ولا يمنع ربنا هذا ؛ لأن المشرع الأعلى حين يشرع عقوبة لجريمة ، فهذا إذْنٌ بأنها قد تحدث ، وحين يقول الحق: {والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا ...} [المائدة: 38]