قوله: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ} أي: لما ترك العصاة من أهل القرية ما ذكرهم به الصالحون الناهون عن المنكر ، ترك الناسي للشيء المعرض عنه كلية الإعراض {أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء} أي: الذين فعلوا النهي ، ولم يتركوه {وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ} وهم العصاة المعتدون في السبت {بِعَذَابِ بَئِيس} أي: شديد من بؤس الشيء يبؤس بأساً إذا اشتد ، وفيه إحدى عشرة قراءة ، للسبعة وغيرهم {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} أي: بسبب فسقهم ، والجار والمجرور متعلق بأخذنا {فَلَمَّا عَتَوْاْ عَمَّا نُهُواْ عَنْهُ} أي: تجاوزوا الحد في معصية الله سبحانه تمرّداً وتكبراً {قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً} أي: أمرناهم أمراً كونياً لا أمراً قولياً ، أي مسخناهم قردة.
قيل: إنه سبحانه عذبهم أوّلاً بسبب المعصية ، فلما لم يقلعوا مسخهم قردة.
وقيل: إن قوله: {فَلَمَّا عَتَوْاْ عَمَّا نُهُواْ عَنْهُ} تكرير لقوله: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ} للتأكيد والتقرير ، وأن المسخ هو العذاب البئيس ، والخاسئ الصاغر الذليل أو المباعد المطرود ، يقال خسأته فخسئ ، أي باعدته فتباعد.
واعلم أن ظاهر النظم القرآني هو أنه لم ينجح من العذاب إلا الفرقة الناهية التي لم تعص لقوله: {أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء} وأنه لم يعذب بالمسخ إلا الطائفة العاصية لقوله: {فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين} فإن كانت الطوائف منهم ثلاثاً كما تقدّم ، فالطائفة التي لم تنه ولم تعص يحتمل أنها ممسوخة مع الطائفة العاصية ؛ لأنها قد ظلمت نفسها بالسكوت عن النهي ، وعتت عما نهاها الله عنه من ترك النهي عن المنكر.