والقعود ليس حِسًّا كذلك بل هو مشهد شاخص مُحَس مُبصَر يتضمن (الرصد والإلثاث والتنكير والتشويه) يأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم. تنوعت الأساليب واختلفت الصور ليأخذ أبناء آدم حذرهم من عدوهم.
وحين أجيب إبليس إلى طلبه من الإنظار، وأخذ على نفسه العهد بإغواء من كان السبب في طرده، اقتضت مشيئة اللَّه أن يدع الكائن البشري للابتلاء، فيشق طريقه بنفسه بما رُكب في فطرته من استعداد للخير والشر يصطرعان ... وبما أمده من كتب على أيدي الرسل. نعم ترك لإبليس فرصة الإغواء كما ترك لأبناء آدم فرصة الاختيار. فتضمين (قعد) معنى (رصد) لأرصدن لهم صراطك - كما ذكر أبو السعود - مستوحى من قوله تعالى: (وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) .
ولعل تنكيره أو تشويهه، لأنكرن وأشوهن، فلا يهتدي إليه أحد، نكون قد جمعنا مع لَبْثه على الصراط ولزومه إياه وعدم بَرَاحه، معنى التجهيل لمَعالِمه من طريق تشويهه لصد سالكيه عنه بكل وسيلة يملكها. أوليس قعوده عليه ولزومه إياه وإلثاثه به تشويها له؟ وأنجع هذه الوسائل وأهمها أن يتسخط المؤمن عطاء ربه، ولهذا أتبعها بقوله (وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) وليس هذا الداء بالهين ولا العلاج مُسعِفَاً، ولا السعي مُنجِحاً متى رام ذلك.
والعلاقة بين المضمن والمضمن فيه سببية، فإلتأثه على صراط اللَّه المستقيم سبب في تنكيره وتشويهه، إنما يُرى اللعين في طرق الغواية والضلال والفساد.
فاللام من جهة، وتعدية الفعل اللازم من جهة أخرى: أضاءتا لنا ما خفي علينا من هذه اللطائف.
فول وجهك نحو التضمين لتبلغ منه حاجتك في جَنْي هذه الرقائق.
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا ...(43)
قال الهروي: في هدى ثلاث لغات: هديته الطريق (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) وهديته إلى الطريق: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وهديته للطريق: (قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ) وذكر ابن القيم ففعل هدى متى عُدي باللام تضمَّن التخصيص بالشيء المطلوب فأُتى باللام الدالة على الاختصاص والتبيين، فإذا قلت هديته لكذا، ففهم معنى ذكرته له وهيأته، ومتى عُدِّي بـ (إلى) تضمن معنى الإيصال إلى الغاية المطلوبة، وإذا تعدى بنفسه تضمَّن المعنى الجامع لذلك كله وهو التعريف والإلهام والبيان، وقال الأخفش: وأهل الحجاز يقولون هديته الطريق أي عرفته، وهديته البيت بلَّغته، وحكى