وعلى الثاني فذلك لأن الحق واحد والباطل أكثر من أن يحصى . وإنما قدمت الظلمة على النور لأن عدم المحدثات سابق على وجودها ، والظلمة عدمية عند من يجعلها عدم النور أو شبيهة بالعدم عند من يجعلها هيئة مضادة للنور . وقد ورد في الأخبار أن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره . وقوله: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} معطوف على قوله: {الحمد لله} والمعنى أنه حقيق بالحمد على ما خلق ثم الذين كفروا يعدلون عن طريق الإنصاف فيكفرون بربهم ، أو على {خلق السماوات} معناه خلق ما خلق مما لا يقدر عليه أحد سواه ثم هم يعدلون أي يسوّون به ما لا يقدر على شيء من ذلك . فعلى المعنى الأول يعدلون من العدول ، وعلى الثاني هو من العدل . ومعنى"ثم"ههنا وفي قوله {ثم أنتم تمترون} تراخي الرتبة واستبعاد مضموني الجملتين أحدهما عن الآخر . ثم ذكر دليلاً آخر على إثبات الصانع وعلى صحة المعاد الجسماني فقال {هو الذي خلقكم من طين} أي من آدم لأنه مخلوق من الطين ، أو خلقكم من النطفة المتولدة من الأغذية المنتهية إلى العناصر ، ولا ريب أن خلق الأغذية المتنوعة من العناصر المتشابهة الأجزاء ، ثم توليد النطفة المتشابهة الأجزاء من تلك الأغذية المختلفة ، ثم تخليق الأعضاء المختلفة في الصفة والصور واللون والشكل كالقلب والدماغ والكبد والعظام والغضاريف والرباطات والأوتار وغيرها من المادة المتشابهة لا يمكن إلا بتقدير مقدر حكيم ومدبر رحيم . ثم إن تلك القدرة والحكمة باقية بعد موت الحيوان فيكون قادراً على إعادتها وإعادة الحياة فيها وذلك يدل على صحة القول بالمعاد . أما قوله {ثم قضى أجلاً} فاعلم أن لفظ القضاء قد يرد بمعنى الحكم والأمر {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23] وبمعنى الخبر والإعلام {وقضينا إلى بني إسرائيل} [الإسراء: 4] وبمعنى صفة الفعل إذا تم {فقضاهن سبع سموات} [فصلت: 12] ومنه قولك: