الحق يعلم أن قلوب بعض المنكرين قد صارت غفلاً لا يدخلها الإيمان ولا يخرج منها الباطل - كما أراد هو لهم - فلو نزَّل إليهم كتاباً في قرطاس ليكون في مجال رؤية العين ولمسوه بأيديهم فلن يؤمنوا . ويأتي أمر لمس الكتاب بالأيدي ؛ لأن اللمس هو الحاسة التي يشترك فيها الجميع حتى الأعمى منهم ، وبرغم ذلك فسيكذبون قائلين: {إِنْ هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} ومثل هذا الرد لا ينبع عن عقل أو تدبر أو حكمة .
ولا يتناسب مع القوم الذين عُرفوا بالبلاغة والفصاحة ، وبحسن القول وصياغته ؛ لأن السحر إنما يغير من رؤية الناس للواقع ، وما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم متهماً بالسحر منهم فلماذا لم يسحرهم هم ، ولماذا استعصموا هم بالذات على السحر؟ والمسحور ليس له عمل ولا إرادة مع الساحر ، ولو كان محمد صلى الله عليه وسلم ساحراً لصنع من السحر ما يجعلهم يؤمنون .
إن من العجيب وهم أبصر الناس بفن القول ، وهم أهل النبوغ في الأداء ، ويعرفون القول الفصل والرأي الصحيح ويميزون بين فنون القول: خطابةً ، وكتابةً ، ونثراً ، وشعراً ، والقول المسجوع ، والقول المرسل ، من العجيب أنهم يقفون أمام معجزة القرآن مبهوتين لا يعرفون من أمرهم رشداً ، فمرة يقولون إنه سحر ، ومرة يقولون: إنه كلام كهنة ، وثالثة يقولون: إنه كلام مجنون .