فأنت أيها المؤمن تصدق ذلك ؛ فذات الحق لا تبصرها العيون وهو يعلم كل ما هو خفي عنك ولا تدركه عيونك . وفي الكون أشياء قد لا ندركها على الرغم من أنه سبحانه وتعالى خلقها وعملت في خدمتك ، وبعد أن أدركتها ظلت تعمل في خدمتك ، فإن حدثك الحق بشيء لا تدركه فلا تقل: ما دام هذا الشيء غير مدرك فهو غير موجود .
وعلى سبيل المثال أنت لا تدرك الكهرباء ، ولا الجاذبية ، ولا قمة أسرار الحياة وهي الروح التي تعطيك سر الحياة ، وتنفعل بها كل جوارحك ، وإن خرجت الروح صرت جثة هامدة ، إن أحداً لا يعرف مكان الروح ولا يدركها ، ولا سمعها أحد أو شمها أو ذاقها أو لمسها . إن الروح موجودة في ذاتك ولا تدركها ، هأنتذا - إذن - لا تستطيع أن تدرك مخلوقاً لله فكيف تدرك خالقك وهو الله؟ إنك لو أدركته لما صار إلهاً ؛ لأنك إن أدركت شيئاً فقد قدرت عليه جوارحك ، ويصير مقدوراً عليه لعينك أو ليدك ، والقادر المطلق لا ينقلب مقدوراً أبداً ، ومن عظمته أنه لا يُدرك .
مثال آخر: الرؤيا التي تراها وتتحرك فيها . هل الرؤيا موجودة في جسمك؟ أو ماذا؟ والحِلْم وهو الصبر على غيرك لأن تتحمله وتعطف عليه وتضحك له ، هذا الحلم يجعلك تنفعل ، فهل تدرك أنت هذا الحلم؟ أنه معنى من بعض المعاني في نفسك التي تحرك جوارحك ولا تدركها ، مثله مثل الشجاعة التي تصول بها وتجول ولا تراها محيزة ، ولا تعرف شكلها أو لونها أو طعمها ، فالأعلى الذي يدير هذا الكون غير مدرَك بالأبصار . والذي يُتعب الناس أنهم يحاولون الجمع بين الإدراك والوجود ، ولذلك نقول: ابحث أيها الإنسان في كونك ولسوف تجد فارقاً بين الإدراك والوجود .