والآية محكمة على مذهب أبي موسى وشُرَيْح وغيرهما.
القول الثاني أن قوله سبحانه: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} منسوخ ؛ هذا قول زيد بن أسلم والنخعيّ ومالك ؛ والشافعيّ وأبي حنيفة وغيرهم من الفقهاء ؛ إلا أن أبا حنيفة خالفهم فقال: تجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض ؛ ولا تجوز على المسلمين ؛ واحتجوا بقوله تعالى:
{مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهدآء} [البقرة: 282] وقوله: {وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ} [الطلاق: 2] ؛ فهؤلاء زعموا أن آية الدّيْن من آخر ما نزل ؛ وأن فيها {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهدآء} فهو ناسخ لذلك ؛ ولم يكن الإسلام يومئذ إلا بالمدينة ؛ فجازت شهادة أهل الكتاب ؛ وهو اليوم طبق الأرض فسقطت شهادة الكفار ؛ وقد أجمع المسلمون على أن شهادة الفُسّاق لا تجوز ؛ والكفار فساق فلا تجوز شهادتهم.
قلت: ما ذكرتموه صحيح إلا أنا نقول بموجبه ؛ وأن ذلك جائز في شهادة أهل الذمة على المسلمين في الوصية في السفر خاصة للضرورة بحيث لا يوجد مسلم ؛ وأما مع وجود مسلم فلا ؛ ولم يأت ما ادعيتموه من النسخ عن أحد ممن شهد التنزيل ؛ وقد قال بالأوّل ثلاثة من الصحابة وليس ذلك في غيره ؛ ومخالفة الصحابة إلى غيرهم ينفر عنه أهل العلم.
ويقوّي هذا أن سورة"المائدة"من آخر القرآن نزولاً حتى قال ابن عباس والحسن وغيرهما: إنه لا منسوخ فيها.
وما ادعوه من النّسخ لا يصح ؛ فإن النّسخ لا بدّ فيه من إثبات الناسخ على وجه يتنافى الجمع بينهما مع تراخي الناسخ ؛ فما ذكروه لا يصح أن يكون ناسخاً ؛ فإنه في قصة غير قصة الوصية لمكان الحاجة والضرورة ؛ ولا يمتنع اختلاف الحكم عند الضرورات ؛ ولأنه ربما كان الكافر ثقة عند المسلم ويرتضيه عند الضرورة ؛ فليس فيما قالوه ناسخ.