القول الثالث أن الآية لا نسخ فيها ؛ قاله الزهريّ والحسن وعِكرِمة ؛ ويكون معنى قوله:"مِنْكُمْ"أي من عشيرتكم وقرابتكم ؛ لأنهم أحفظ وأضبط وأبعد عن النسيان.
ومعنى قوله: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} أي من غير القرابة والعشيرة ؛ قال النحاس: وهذا ينبني على معنى غامض في العربية ؛ وذلك أن معنى"آخَر"في العربية من جنس الأوّل ؛ تقول: مررت بكريم وكريم آخر ؛ فقوله"آخر"يدل على أنه من جنس الأوّل ؛ ولا يجوز عند أهل العربية مررت بكريم وخسيس آخر ؛ ولا مررت برجل وحمار آخر ؛ فوجب من هذا أن يكون معنى قوله: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} أي عدلان ؛ والكفار لا يكونون عدولاً فيصح على هذا قول من قال"مِنْ غَيْرِكُمْ"من غير عشيرتكم من المسلمين.
وهذا معنى حسن من جهة اللسان ؛ وقد يحتج به لمالك ومن قال بقوله ؛ لأن المعنى عندهم {مِنْ غَيْرِكُمْ} من غير قبيلتكم ؛ على أنه قد عورض هذا القول بأنّ في أوّل الآية {يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ} فخوطب الجماعة من المؤمنين.
السابعة استدل أبو حنيفة بهذه الآية على جواز شهادة الكفار من أهل الذمة فيما بينهم ؛ قال: ومعنى {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} أي من غير أهل دينكم ؛ فدل على جواز شهادة بعضهم على بعض ؛ فيقال له: أنت لا تقول بمقتضى هذه الآية ؛ لأنها نزلت في قبول شهادة أهل الذمة على المسلمين وأنت لا تقول بها ؛ فلا يصح احتجاجك بها.