فإن قيل: هذه الآية دلت على جواز قبول شهادة أهل الذمة على المسلمين من طريق النطق ؛ ودلت على قبول شهادتهم على أهل الذمة من طريق التنبيه ، وذلك أنه إذا قبلت شهادتهم على المسلمين فلأن تقبل على أهل الذمة أولى ؛ ثم دلّ الدليل على بطلان شهادتهم على المسلمين ؛ فبقي شهادتهم على أهل الذمة على ما كان عليه ؛ وهذا ليس بشيء ؛ لأن قبول شهادة أهل الذمة على أهل الذمة فرع لقبول شهادتهم على المسلمين ؛ فإذا بطلت شهادتهم على المسلمين وهي الأصل فلأن تبطل شهادتهم على أهل الذمة وهي فرعها أحرى وأولى.
والله أعلم.
الثامنة قوله تعالى: {إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرض} أي سافرتم ؛ وفي الكلام حذف تقديره إن أنتم ضربتم في الأرض {فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الموت} فأوصيتم إلى اثنين عدلين في ظنكم ؛ ودفعتم إليهما ما معكم من المال ، ثم متم وذهبا إلى ورثتكم بالتركة فارتابوا في أمرهما ؛ وادّعوا عليهما خيانة ؛ فالحكم أن تحبسوهما من بعد الصَّلاة ؛ أي تستوثقوا منهما ؛ وسمى الله تعالى الموت في هذه الآية مصيبة ؛ قال علماؤنا: والموت وإن كان مصيبة عظمى ؛ ورزِية كبرى ؛ فأعظم منه الغفلة عنه ؛ والإعراض عن ذكره ؛ وترك التفكر فيه ؛ وترك العمل له ؛ وإن فيه وحده لعبرة لمن اعتبر ؛ وفكرة لمن تفكّر.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لو أن البهائم تعلم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سميناً"ويروى أن أعرابياً كان يسير على جمل له ؛ فخر الجمل ميتاً فنزل الأعرابيّ عنه ؛ وجعل يطوف به ويتفكر فيه ويقول: ما لك لا تقوم؟! مالك لا تنبعث؟! هذه أعضاؤك كاملة ؛ وجوارحك سالمة ؛ ما شأنك؟! ما الذي كان يحملك؟! ما الذي كان يبعثك؟! ما الذي صرعك؟! ما الذي عن الحركة منعك؟! ثم تركه وانصرف متفكراً في شأنه ؛ متعجباً من أمره.