التاسعة قوله تعالى: {تَحْبِسُونَهُمَا} قال أبو علي: {تَحْبِسُونَهُمَا} صفة ل"آخران"واعترض بين الصفة والموصوف بقوله:"إنْ أَنْتُمْ".
وهذه الآية أصل في حبس من وجب عليه حقّ ؛ والحقوق على قسمين: منها ما يصلح استيفاؤه معجّلاً ؛ ومنها ما لا يمكن استيفاؤه إلاَّ مؤجلاً ؛ فإن خُلّي مَنْ عليه الحق غاب واختفى وبطل الحَق وتوِي فلم يكن بدّ من التوثق منه ؛ فإما بعِوض عن الحق وهو المسمى رهناً ؛ وإما بشخص ينوب منابه في المطالبة والذمة وهو الحمِيل ؛ وهو دون الأوّل ؛ لأنه يجوز أن يغيب كمغيبه ويتعذر وجوده كتعذره ؛ ولكن لا يمكن أكثر من هذا ؛ فإن تعذرا جميعاً لم يبق إلاَّ التوثق بحبسه حتى تقع منه التوفية لما كان عليه من حق ؛ أو تَبيّن عسرته.
العاشرة فإن كان الحق بدنياً لا يقبل البدل كالحدود والقصاص ولم يتفق استيفاؤه معجّلاً ؛ لم يكن فيه إلاَّ التوثق بسجنه ؛ ولأجل هذه الحكمة شرِع السجن ؛ روى أبو داود والترمذيّ وغيرهما عن بَهْزِ بن حكِيم عن أبيه عن جده:"أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلاً في تهمة"وروى أبو داود عن عمرو بن الشَّرِيد عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لَيُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَه وعُقوبَته"قال ابن المبارك يحلُّ عِرضَه يُغَلّظ له ، وعقوبته يُحبَس له.
قال الخطّابي: الحبس على ضربين ؛ حبس عقوبة ، وحبس استظهار ، فالعقوبة لا تكون إلاَّ في واجب ، وأما ما كان في تهمة فإنما يستظهر بذلك ليستكشف به ما وراءه ؛ وقد روي أنه حَبَس رجلاً في تهمة ساعة من نهار ثم خَلّى عنه.
وروى معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: كان شُرَيح إذا قضى على رجل بحق أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم فإن أعطاه حقه وإلاَّ أمر به إلى السجن.