وقوله: {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} أي أو شهادة آخرين من غيركم ؛ فمن غيركم صفة لآخرين.
وهذا الفصل هو المشكل في هذه الآية ، والتحقيق فيه أن يقال: اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال:
الأوّل أن الكاف والميم في قوله:"مِنْكُمْ"ضمير للمسلمين {أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} للكافرين ؛ فعلى هذا تكون شهادة أهل الكتاب على المسلمين جائزة في السفر إذا كانت وصية ، وهو الأشبه بسياق الآية ، مع ما تقرّر من الأحاديث.
وهو قول ثلاثة من الصحابة الذين شاهدوا التنزيل ؛ أبو موسى الأشعريّ ، وعبد الله بن قيس ، وعبد الله بن عباس ؛ فمعنى الآية من أوّلها إلى آخرها على هذا القول ؛ أن الله تعالى أخبر أن حكمه في الشهادة على الموصي إذا حضر الموت أن تكون شهادة عدلين ؛ فإن كان في سفر وهو الضّرب في الأرض ، ولم يكن معه أحد من المؤمنين ، فليُشهد شاهدين ممن حضره من أهل الكفر ، فإذا قدما وأدّيا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا وما بَدّلا ، وأن ما شهِدا به حق ، ما كتما فيه شهادة وحُكِم بشهادتهما ؛ فإن عُثِرَ بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا ، ونحو هذا مما هو إثم حلف رجلان من أولياء الموصِي في السفر ، وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما.
هذا معنى الآية على مذهب أبي موسى الأشعريّ ، وسعيد بن المسيب ، ويحيى بن يعمر ؛ وسعيد بن جبير وأبي مجْلَز وإبراهيم وشريح وعبيدة السلمانيّ ؛ وابن سِيرين ومجاهد وقتادة والسديّ وابن عباس وغيرهم.
وقال به من الفقهاء سفيان الثوريّ ؛ ومال إليه أبو عبيد القاسم بن سلام لكثرة من قال به.
واختاره أحمد بن حنبل وقال: شهادة أهل الذمة جائزة على المسلمين في السفر عند عدم المسلمين ؛ كلهم يقولون"مِنكم"من المؤمنين ومعنى {مِنْ غَيْرِكُمْ} يعني الكفار.
قال بعضهم: وذلك أن الآية نزلت ولا مؤمن إلا بالمدينة ؛ وكانوا يسافرون بالتجارة صحبة أهل الكتاب وعبدة الأوثان وأنواع الكفرة.