الثالثة قوله تعالى: {بَيْنِكُمْ} قيل: معناه ما بينكم فحذفت"ما"وأُضيفت الشهادة إلى الظرف ، واستعمل اسما على الحقيقة ، وهو المسمى عند النحويين بالمفعول على السعة ؛ كما قال:
ويوماً شهدناه سُلَيما وعامرا ...
أراد شهدنا فيه.
وقال تعالى: {بَلْ مَكْرُ الليل والنهار} [سبأ: 33] أي مكركم فيهما.
وأنشد:
تُصافح من لاقيتَ لي ذا عداوة ...
صِفَاحا وعنِّي بين عَيْنَيْكَ مُنْزَوِي
أراد ما بين عينيك فحذف ؛ ومنه قوله تعالى: {هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} [الكهف: 78] أي ما بيني وبينك.
الرابعة قوله تعالى: {إِذَا حَضَرَ} معناه إذا قارب الحضور ، وإلا فإذا حضر الموت لم يشهد ميت.
وهذا كقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ القرآن فاستعذ بالله} [النحل: 98] .
وكقوله: {إِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَطَلِّقُوهُنَّ} [الطلاق: 1] ومثله كثير.
والعامل في"إذَا"المصدر الذي هو"شَهَادَةُ".
الخامسة قوله تعالى: {حِينَ الوصية اثنان} "حين"ظرف زمان والعامل فيه"حَضَرَ".
وقوله:"اثنان"يقتضي بمطلقه شخصين ، ويحتمل رجلين ، إلا أنه لما قال بعد ذلك:"ذَوَا عَدْلٍ"بيّن أنه أراد رجلين ؛ لأنه لفظ لا يصلح إلا للمذكر ، كما أن
{ذَوَاتَآ} [الرحمن: 48] لا يصلح إلا للمؤنث.
وارتفع"اثنان"على أنه خبر المبتدأ الذي هو"شَهَادَةُ"؛ قال أبو عليّ:"شَهَادَةُ"رفع بالابتداء والخبر في قوله:"اثنان"؛ التقدير شهادة بينكم في وصاياكم شهادة اثنين ؛ فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ؛ كما قال تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6] أي مثل أُمهاتهم.
ويجوز أن يرتفع"اثنان"ب"شهادة"؛ التقدير وفيما أنزل عليكم أو ليكن منكم أن يشهد اثنان ، أو ليقم الشهادة اثنان.
السادسة قوله تعالى: {ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ} "ذَوَا عَدْلٍ"صفة لقوله:"اثْنَانِ"و"منكم"صفة بعد صفة.