{وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} ؛ أي. وما أمه إلا صديقة؛ أي: تلازم الصدق أو تصدق الأنبياء وتبالغ في بعدها عن المعاصي، وفي إقامة مراسم العبودية، فما هي إلا كسائر النساء اللاتي يلازمن الصدق أو التصديق، ويبالغن في الاتصاف به، فما رتبه عيسى إلا رتبة نبي وما رتبة أمه إلا رتبة صحابي، فمن أين لكم أن تصفوهما بما لا يوصف به سائر الأنبياء وخواص الناس، فإن أعظم صفات عيسي عليه السلام الرسالة، وأكمل صفات أمه الصديقية، وذلك لا يستلزم لهما الألوهية، أما حقيقتهما النوعية والجنسية .. فهي مساوية لحقيقة غيرهما من أفراد نوعهما وجنسهما فهما {كَانَا يَأكُلَانِ الطَّعَامَ} ويشربان الشراب كسائر أفراد البشر، ليقيما بنيتهما، ويمدا حياتهما، لئلا ينحل بدنهما ويهلكا، وكذلك يعرض لهما ما يستلزمه أكل الطعام من الحاجة إلى دفع الفضلات من البول والغائط، فلا يمكن أن يكون كل منهما إلهًا خالقًا، ولا ربًّا معبودًا، وبالجملة: فإنَّ فساد قول النصارى أظهر من أن يحتاج إلى إقامة دليل عليه. ومن السفه أن يحتقر الإنسان نفسه، ويحتقر جنسه، ويرفع بعض المخلوقات المساوية له في الماهية، وبعض المشخصات الممتازة بميزات عرضية، فيجعل نفسه عبدًا لها ويسمّيها آلهة أو أربابًا. قال أبو حيان: وهذه الجملة استئناف إخبار عن المسيح وأمه منبهة كما ذكرنا على سمات الحدوث، وأنهما مشاركان للناس في ذلك ولا موضع لهذه الجملة من الإعراب.