وبعد أن بين حالهما بيانًا لا يحوم حوله شائبة من الريب .. تعجب من حال من يدعى لهما الربوبية، ولا يرعوي عن غيه وضلاله، ولا يتأمل فيما هو عليه من أفن - ضعيف - الرأي والخطأ فقال: {اْنظُرْ} يا محمد متعجبًا أو أيها السامع نظرة عقل أو فكر {كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ} ؛ أي: كيف نبين لهؤلاء النصارى (الآيات) ؛ أي: الدلائل والبراهين البالغة أقصى الغايات في الوضوح على بطلان ما يدعون في أمر المسيح وأمه {ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} : أي: ثمّ انظر بعد النظر الأول كيف يصرفون عن تلك الآيات، ويعرضون عنها، وكيف لا ينتقلون من مقدماتها إلى نتائجها، ومن مباديها إلى غاياتها، فكأنهم فقدوا عقولهم، وصارت أفئدتهم هواءًا؛ أي: كيف يصرفون عن استماع الآيات وعن التأمل فيها، فالله بين لهم الآيات بيانًا عجبًا، وإعراضهم عنها أعجب منها. والاستفهام في الموضعين للتعجب، وفي تكرير الأمر بقوله: {انْظُرْ} ، {ثُمَّ انْظُرْ} . دلالة على الاهتمام بالنظر، وأيضًا فقد اختلف متعلق النظرين، فإن الأول أمر بالنظر في كيفية إيضاح الله تعالى لهم الآيات وبياناها بحيث إنَّه لا شك فيها ولا ريب، والأمر الثاني بالنظر في كونهم صرفوا عن تدبرها والإيمان بها، أو بكونهم قلبوا عما أريد بهم.
قال الزمخشري:
فَإِنْ قُلْتَ: ما معنى التراخي في قوله: {ثُمَّ انْظُرْ} ؟
قلت: معناه ما بين التعجبين، يعني أنَّه من باب التراخي في الترتب؛ لا في الأزمنة ونحوها.