عليه، وصلبها إياه وصيرورته ملعونًا بحكم الناموس والشريعة!! فمن أطفأ سراج
عقله وأفسد فطرة نفسه وسلم بهذه القاعدة فهو الناجي الذي يرث الملكوت الأعلى، وإن
قَتَلَ وَزَنى وسكر وأكل أموال الناس بالباطل وظلم العباد وكان آفة العمران. ولذلك
صرح الكاتب الذي لا أقدر أن أصفه إلا بكونه مبشرًا داعيًا إلى هذه العقيدة بأن
سبب خوف أبي بكر وعلي وسفيان من الله هو جهلهم بقاعدة الفداء , يعني أنهم لو
عرفوا وصدقوا بها لكانوا عاشوا آمنين من مكر الله وعذابه، يسرحون ويمرحون في
أهوائهم وحظوظهم.
والحاصل أن المسلم الذي يغلب عليه الرجاء بفضل الله ووعده للمحسنين بالنعيم
جاهل ضال , والذي يخاف الله هيبة وتعظيمًا أو لاتهام نفسه بالتقصير في
الأعمال الصالحة النافعة للناس وفي المعارف والكمالات المزكية للنفس , فهو
جاهل ضال. وأن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله من غير تفرقة بينهم وتهذيب
الأخلاق وإصلاح الأعمال - كل ذلك لا ينفع المسلم الصادق ولا يغني عنه شيئًا،
فما حيلة المسلم المسكين إذا ابتلاه الله تعالى بسلامة الفطرة ونور العقل فلم يقبل تلك
القاعدة التي تفصَّى منها الذين تربوا عليها تقليدًا لما عقلوا وميزوا، على أن كتب القوم
لا تخلو من نصوص تدل على أن رسلهم ومقدسيهم كانوا يخافون من الله تعالى
ويرجون رحمته؛ لأنهم لم يكونوا إباحيين بل كانوا قومًا صالحين.
إن القرآن الحكيم علمنا بأن دين الله تعالى واحد في جوهره , وأن جميع
الأنبياء وصالحي المؤمنين بهم كانوا عليه، وهو توحيد الله تعالى وتنزيهه عن صفات
الحوادث وإفراده بالعبادة والخوف الزاجر عن المعاصي والشرور والرجاء الباعث
على الخير والصلاح، وإننا نرى جميع عقلاء المسيحيين يوافقوننا على هذه القاعدة
ويودون أن يهتدي إليها دعاة كل دين ورؤساؤه ليكون الدين كما شرع الله سعادة
للبشر , لا وبالاً وشقاءً عليهم , ومثارًا للخلاف والشحناء والبغضاء بينهم.
وقد ذكر الإمام الغزالي أنواعًا للخوف كخوف الموت قبل التوبة، وخوف نقض
التوبة ونكس العهد وخوف ضعف القوة عن الوفاء بالحقوق، وخوف زوال رقة القلب