وَقَدْ جَعَلَ بَعْضُ أَهْلِ الْجَدَلِ الْآيَةَ مِنَ الْمُشْكِلَاتِ ; لِأَنَّ يَهُودَ عَصْرِهِ يُنْكِرُونَ صُدُورَ هَذَا الْقَوْلِ عَنْهُمْ ; وَلِأَنَّهُ يُخَالِفُ عَقَائِدَهُمْ ، وَمُقْتَضَى دِينِهِمْ ، وَمِمَّا قَالُوهُ فِي حَلِّ الْإِشْكَالِ: إِنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْإِلْزَامِ ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفُهُ لَهُ) (2: 245) قَالُوا: مَنِ احْتَاجَ إِلَى الْقَرْضِ كَانَ فَقِيرًا عَاجِزًا مَغْلُولَ الْيَدَيْنِ . بَلْ قَالُوا مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ هَذَا فِي تَعْلِيلِ قَوْلِهِمْ ، وَالْخَرْصِ فِي بَيَانِ مُرَادِهِمْ مِنْهُ . وَمَا هَذَا إِلَّا غَفْلَةٌ عَنْ جُرْأَةِ أَمْثَالِهِمْ فِي كُلِّ عَصْرٍ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ الْبَعِيدِ عَنِ الْأَدَبِ بُعْدَ صَاحِبِهِ عَنْ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الدِّينِ إِلَّا الْعَصَبِيَّةُ الْجِنْسِيَّةُ وَالتَّقَالِيدُ الْقِشْرِيَّةُ ، فَلَا إِشْكَالَ فِي صُدُورِهِ عَنْ بَعْضِ الْمُجَازِفِينَ مِنَ الْيَهُودِ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ كَانَ أَكْثَرُهُمْ فَاسِقِينَ فَاسِدِينَ ، وَطَالَمَا سَمِعْنَا مِمَّنْ يُعَدُّونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي عَصْرِنَا مِثْلَهُ فِي الشَّكْوَى مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ عِنْدَ الضِّيقِ وَفِي إِبَّانِ الْمَصَائِبِ . وَعِبَارَةُ الْآيَةِ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يَقُولُهُ جَمِيعُ الْيَهُودِ فِي كُلِّ عَصْرٍ ، حَتَّى يَجْعَلَ إِنْكَارَ بَعْضِهِمْ لَهُ فِي بَعْضِ الْعُصُورِ وَجْهًا لِلْإِشْكَالِ فِي الْآيَةِ ، وَإِنَّمَا عَزَاهُ إِلَى جِنْسِهِمْ لِمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا ، عَلَى أَنَّ النَّاسَ فِي كُلِّ زَمَانٍ