ليوضح سبحانه أنه من ضمن أسباب صيانة بيت الله الحرام أن حفظ سبحانه لقريش الأمان في رحلة الشتاء والصيف ، ولو انهدم البيت الذي يحقق لقريش السيادة لهجم الناس على القرشيين من كل جانب ؛ لأنه القائل في شأن من قصدهم لهدم بيت الله الحرام . {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} [الفيل: 5] {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} [قريش: 1]
وما دامت تلك المسألة قد صنعها الله لقريش ، فلا بد لهم من عبادة رب هذا البيت: {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت * الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} [قريش: 3 - 4]
إذن فقريش أخذت السيادة بين العرب بمكانة البيت ، وأخذت السيادة أيضاً في اللغة ، وكانت كل أسواق العرب تعقد هناك ، وأشهرها سوق عكاظ ، وكان ينصب في قريش خلاصة اللغات الجميلة من القبائل المختلفة . وهكذا أخذت اللغة المصفّاة المنتفاة ، فكل شاعر كان يقدم أفضل ما عنده من شعر . وكل خطيب كان يأتي بأحسن ما عنده من خطب . وبذلك كانت قريش تسمع أجود الكلمات . ولهذا كانت اللغة التي عندهم هي اللغة العالية . ولذلك عندما جيء لزمن كتابة القرآن كانت الوصية:
إن اختلف عليكم شيء فاكتبوه بلغة قريش ؛ لأن لغة قريش أخذت من اللغات محاسنها . وبنو تميم والحجاز كانوا مختلفين في بعض الأشياء . ولذلك كنا نسمع - عندما نتعلم الإعراب - قول المعلم وهو يسألنا: هل"ما"حجازية أو تميمية؟ وهذا يدلنا على أن هناك خلافاً بين النطق في القبيلتين .
وفي الآية التي نحن بصددها ندغم ونقول: {مَن يَرْتَدَّ} وفي آية البقرة ننطقها دون إدغان فنقول:"ومن يرتدد".
وكأن الحق جاء بآية على لغة الحجاز واية على لغة تميم ، وذلك برهان جديد على أن القرآن لم يأت ليحقق سيادة القريش ، إنما هو للناس كافة ؛ لذلك نجد من كل لهجة كلمة ، ليتضح أن القرآن لعموم الناس جميعهم .